اراء و مقالات

أوسمة ملكية وميداليات المئوية… لماذا يزيد «عدد الغاضبين» في الأردن؟

انتقاء وإقصاء وأزمة تمثيل

عمان – «القدس العربي»: مجدداً، عدد السياسيين والبيروقراطيين والمتقاعدين والوجهاء الذين أصابهم بعض الغضب والاحتقان، أكثر من عدد الذين حظوا بتكريم خاص مؤخراً في عدة مناسبات بسبب دورهم أو وظيفتهم بالمجتمع، بمبادرة نبيلة من القصر الملكي.
مؤخراً تم تكريم عشرات الشخصيات الأردنية إما بأوسمة ملكية أو بميداليات المئوية الثانية للدولة. من بين المناسبات، عيد ميلاد الملك الراحل الحسين بن طلال، وانتهاء أعمال اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية. ورغم نبل تلك الخطوة، إلا أن أوساط القرار في مكتب رئيس الديوان الملكي الوزير يوسف العيسوي، تلقت شكاوى وملاحظات موسميةومن عدة واجهات اجتماعية وعشائرية ومناطقية تحت عنوان معايير اختيار الشخصيات التي يتم تكريمها باسم المؤسسة الملكية، وأيضاً معايير استثناء شخصيات أخرى. مثل هذا الجدل يتكرر وسط النخب الأردنية كلما برزت مشاريع تكريم لأشخاص أو لجهات أو لمبادرات.

إشكاليات

ويتكرر مع غياب وضع معايير محددة وعلنية على الأقل كلما تم تشكيل مجالس الأعيان أو اللجان الملكية، حيث يخطئ بعض الموظفين المطلعين على هذه الجزئية في اعتماد معايير للاستثناء أو الاختيار، فتكون النتيجة تراكم عدد المستفسرين عن أسباب عدم تكريمهم أو عدد الذين يعتقدون بندية دورهم وواجبهم قياساً بمن اختير لتكريمه.

انتقاء وإقصاء وأزمة تمثيل

تلك واحدة من الإشكاليات التي تزحف وتنمو وتنشط خلف الستارة والكواليس، لأن النخبة في المجتمع عموماً تنظر لمؤسسة الديوان الملكي باعتبارها تمثيلاً منصفاً عن الجميع، مع أن إرضاء الجميع غاية من الصعب إدراكها.
حتى عندما شكلت لجنة ضخمة العدد باسم تحديث المنظومة السياسية، طرحت تساؤلات بالجملة في أوساط النخب عن كيفية اختيار وانتقاء أعضاء تلك اللجنة التي تشكلت من 92 عضواً. وطوال الوقت، أي حديث مرجعي باسم العصرنة والتحديث أو إعادة الهيكلة للأداء في المؤسسات، يعيد إنتاج مشاعر الإحباط والاحتقان.
ليس لأن طاقم موظفين يختار بصورة خاطئة أحياناً، ولا لأن من يتم اختيارهم للوظائف والمناصب واحتفالات التكريم وحتى جلسات الحوار الوطنية الملكية نتيجة لنوع من الشللية أو سوء الاختيار فقط، ولكن لأن الإقصاء عن أي تكريم أو دور أو وظيفة ينظر له وسط المجتمع النخبوي وفي البنية الاجتماعية نفسها على أنه أقرب إلى رسالة سلبية قد لا تكون موجودة، لا بل رسالة عزل اجتماعي لمن خضع للإقصاء والاستثناء. وهو شعور يتراكم ويزيد كلما كان التكريم والتكليف بالأدوار أفقياً أكثر، وسط غموض متجدد في آلية الانتقاء والإقصاء.
في كل مواسم التعيينات والتكريمات تتجدد الإشكالية نفسها. ورغم ذلك، لم تطور السلطة التنفيذية بعد ولا أطقم العمل البيروقراطي آلية مؤسسية ومنهجية واضحة الملامح في هذا السياق، يمكن أن تعكس انطباعاً بوجود أسس ومعايير تنطوي على مصداقية.
طبعاً، ذلك من مؤشرات الخلل الإداري التي لا يمكن تحميلها إلا لبعض الموظفين، حتى عندما يسيئون الاختيار باسم المؤسسة، وإن كانت مشكلة التعيين والتكريم أعمق وأكبر وأكثر إنتاجية في تنميط تداعيات تحصل بين الحين والآخر، لأن المحاصصة هنا تضرب وبقوة وأحياناً بصورة غير مفهومة، ولأن معايير بعض التقديرات توحي ضمناً بخلل حتى داخل نظام المحاصصة والتمثيل الأفقي لأكبر شرائح ممكنة في المجتمع.
في الإدارة، المسألة قد تكون أعقد قليلاً، ويزداد تعقيدها كلما ارتفع مستوى القرار الإداري بصورة لا تدل على ليس أزمة الأدوات فحسب في الحالة الأردنية، ولكن أيضاً على الغرق مجدداً في وحل أزمة التمثيل وتلك التفاصيل غير المهمة، بعنوان من اختار من ومتى ولماذا؟
يقترح السياسي والبرلماني الدكتور ممدوح العبادي، دوماً، بأن المنهجية التي تعتمد على معايير وطنية ومهنية هي طوق النجاة بدلاً من غياب المؤسسية.

أزمة تمثيل عميقة

ويرى السياسي مروان الفاعوري، بأن أزمة التمثيل في الحالة الأردنية عميقة وأسست لشرخ استثمر فيه كل المصطادين في المياه العكرة للعلاقة بين المواطن والدولة، مع التأشير -كما يشرح لـ«القدس العربي»- على تلك الاستقطابات الشللية التي تنسجم مع عدم مراجعة وتقييم دور الأفراد وانحيازاتهم الشخصية، وليس المؤسسية، عند تكليفهم بتركيب جسم يمثل المجتمع وبصورة تسيء أحيانا إلى مبادرات الرؤية المرجعية.
سبق لمسؤولين في الطاقم الاستشاري الملكي ولآخرين في المستوى التنفيذي أن ارتكبوا أخطاء في التوزيع والتركيب والتعيين، خلطت الأوراق وأغضبت شرائح لا يعتريها الغضب بالعادة في المجتمع. واليوم، ثمة أخطاء واضحة بالنسبة للطاقم الذي يدير الأمور، تعبر ودون تدقيق ومراجعة.
على سبيل المثال، وفي سياق المحاصصة المستقرة والمألوفة، لا يحظى -خلافاً للعادة- أبناء قرى ومحافظة الخليل في الضفة الغربية الأردنيون بأي مقعد في الصفوف المتقدمة.
ويشعر أبناء قبيلة كبيرة مثل قبيلة بني حميدة، أنهم خارج الحسابات دوماً، مع أن الدولة تحاصص في كل التفاصيل، فيما يشعر أكثر من 60 ألف مواطن في منطقة الأغوار الجنوبية بأن أحداً في الدولة والنظام لا يهتم بهم، وبأن تمثيلهم في كل المساحات خارج نطاق الانتباه والتغطية.
المحصلة، يزيد عدد المنزعجين والغاضبين جراء تلك النمطية التي تتيح لموظف ما رفيع في الطاقم الاستشاري تقريب أو إقصاء من يرغب ومن يشاء دون مراجعة، فيما تتحمل المؤسسة برمتها انعكاس ذلك وكلفته على المجتمع ودون قصد في بعض الأحيان، مع أن المطلوب ليس أكثر من إبعاد تلك الحسابات الفردية والشخصية، والتدقيق قليلاً في تفاصيل الأسماء، والتمثيل بعد وضع معايير ثم الالتزام بها.
مع مرور الوقت وكثرة مظاهر التكريم والعدد المحدود لمقاعد الصف الأول، سواء في الوظيفة أو التكريم أو الاستشارات، تصبح أزمة التمثيل للمكونات الاجتماعية والسياسية أكثر خطورة وعبئاً على الجميع، لا بل تنتج الاحتقان والغضب، مع أن وظيفتها وواجبها العكس تماماً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق