اراء و مقالات

أولويات بايدن عندما «تتأردن»… هل وصلت «الرسالة»؟: إغراء وذخيرة «إهداء» للحراكيين والمعترضين في الأردن

عمان- «القدس العربي» : قد لا يتوفر أساس سياسي من أي نوع للحديث عن تأثر مفردات وأدبيات الرئيس الأمريكي جو بايدن بتلك العبارات والمقولات التي تصدر باسم معترضين ومعارضين وحراكيين ونشطاء داخل الأردن عن سلسلة مفاهيم وقيم الكرامة والديمقراطية.
لكن، وبمحض الصدفة السياسية واللفظية، اجتهد بعض الخبراء والمعنيين في المشهد السياسي الأردني في الربط والتشبيك ما بين الأولويات التي اختبرتها القيادة الأردنية مباشرة قبل غيرها بالنسبة لطاقم الرئيس بايدن، وما بين بعض تفصيلات ورشة عصف ذهني متقدمة في الحالة الداخلية الأردنية انتهت مؤخراً بعنوان عريض له علاقة بتحديث المنظومة السياسية في البلاد.
لأسباب قد تكون مفهومة وأخرى مستقرة أكثر بالغموض، يمكن قراءة بعض مضامين خطاب الرئيس بايدن أمس الأول في الأمم المتحدة من زاوية لها علاقة بالمصالح والبوصلة وبعض المستجدات الأردنية المثيرة.
هنا تحديداً برزت المفارقة التي يرى معترضون في المشهد الداخلي الأردني أنها تمثلهم، فالرئيس الأمريكي الجديد تحدث بلغة مباشرة عما وصفه بالذين يتظاهرون في كل الدول والمناطق ضد الحكومات لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وعلى رأسها التعليم والغذاء، معتبراً أن نداء الكرامة عنصر مشترك حول العالم، وأن إدارته ستستمع لأصوات المحتجين ولن تسعى لإسكاتها في سياق استراتيجية الرئيس الأمريكي الجديد، المهتمة بتحسين حياة الناس. قال بايدن إن الأثرياء في بعض الدول النامية يعملون خارج إطار القانون، واستخدم تعبيرات محددة طالما وردت في بيانات الحراك الشعبي والمعارضة الأردنية، ومن بينها عدم المساواة، وهدر الموارد الوطنية، والمساس بالكرامة، والفساد الذي يستخدم بصورة متعسفة مشاريع البنية التحتية في الدول النامية.
تحدث بايدن أيضاً بإسهاب عن النساء الشجاعات في السودان، وعن المساواة وحقوق الأقليات وحقوق الأفراد المتساوية غير القابلة للتسيس، وعن الحرية والفرص، وقال بأنه -كرئيس- واضح إزاء مستقبل الكوكب، وأن الأنظمة المستبدة التي تعتقد بنهاية الديمقراطية مخطئة. طبعاً، تلك أدبيات تنتمي إلى قاموس الجناح الليبرالي الذي يحكم الأمور اليوم على الأرجح، حتى بتقدير وزارة الخارجية الأردنية، في بنية الحزب الديمقراطي الأمريكي الحاكم.
وتبقى تلك العبارات الرئاسية الأمريكية مجرد إنشائيات يمكن المساس بها تحت بند المصالح الأمريكية، لكن الجديد تماماً والذي يبدو أن عمان الرسمية تقتنع به بعد سلسلة تلامسات مع طاقم الرئيس الأمريكي، هو أن بايدن أعلن في الأمم المتحدة أنه سيتحدث مع الحلفاء والأصدقاء بكل تلك الأطر القيمية، وسيحولها إلى مشاريع عمل تحت قاعدة إعادة بناء العالم بشكل أفضل.
ويبدو أن مثل هذه التعبيرات عندما «تتأردن» تحديداً ولأي سبب، يمكن أن تفسر العديد من المعطيات في حالة الاشتباك الأردنية، فقاعدة الرئيس بايدن عن حكومات من الشعوب ولها قد تكون وراء الاندفاع الأردني في مجال التنمية السياسية خلال الشهرين الماضيين، وقد تكون أيضاً وراء جرعة نقل تفويض الإدارة في سياق ديمقراطي لعناوين الأحزاب السياسية، كما نصت التعديلات المقترحة عملياً على قانوني الأحزاب والانتخابات.
وسيجد الرئيس بايدن عشرات أو مئات الأردنيين من أصحاب الرأي الآخر أو الجملة المعترضة، الذين سيصفقون له عندما يتحدث عن الكفاح ضد الفساد في الدول الحليفة والصديقة، أو عندما يتحدث عن نداء الكرامة وإهدار المال العام في الدول النامية، أو أيضاً عندما يتحدث حصرياً عن مشاريع البنية التحتية التي تثير تجاذبات ونقاشات عاصفة في عدة دول حليفة وصديقة للولايات المتحدة.
ويبدو أن ما يرد من واشنطن بالخصوص يؤشر على أن إدارة بايدن في طريقها لإلزام الدول الحليفة والصديقة بمبادئ عمل جديدة في إطار دعم وإسناد الشفافية والتدقيق في كيفية الإنفاق على مشاريع البنية التحتية وفي مجال حقوق وحريات الأفراد والأقليات والنساء بشكل خاص، مع أن الحراكات والاعتراضات في الحالة المحلية الأردنية تهتم بكل شيء وتوزع الاتهامات في كل اتجاه دون أن تظهر، ولو قليلاً، أي إهتمام من أي نوع بحقوق الأقليات والنساء تحديداً.
عموماً، توضح بنية خطاب بايدن الأخير بعض خلفيات خريطة الحراكات والتغييرات التي تفاعلت في الملف الداخلي الأردني السياسي مؤخراً في إطار الاستعداد والجاهزية لوضع وصفات محلية على قاعدة استباق الحدث وإصلاح الذات قبل تدخل الدول الأخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
وهي خيارات كانت قد سمعتها «القدس العربي» مرات عدة من شخصيات خبيرة مثل وزير البلاط الأسبق الدكتور مروان المعشر، وحتى في المجال الاقتصادي والمالي من وزير المالية الحالي الدكتور محمد العسعس.
في كل حال، تلامس مضامين خطاب بايدن أيضاً بعض ما يمكن تسميته باحتياجات أصحاب الرأي المختلف والآخر في الشارع الأردني، مما يجعل مضامين الخطاب أساسية ومهمة ليس فقط في سياق لعبة الإدارة والإصلاح والهرب من الضغط المباشر العنيف لأكبر دولة تمنح مساعدات للأردن باتخاذ خطوات للأمام مرتبطة بجرعات من الديمقراطية محسوبة، لكن أيضاً في سياق لعبة الشارع والحراك والاعتراض التي يمكن القول أان بايدن في خطابه أغراها أو وفر لها ذخيرة عندما أعلن التضامن والالتزام بما سمّاه احتياجات المتظاهرين في شوارع الدول الحليفة والصديقة من أجل كرامتهم واحتياجاتهم الأساسية، متعهداً بأن تستمع إدارته أكثر لأصوات هؤلاء وترفض إسكاتهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق