اراء و مقالاتمقالات وآراء

«إن عدتم عدنا»… رسالة الردع الأردنية للمعلمين: ما هي «الأسئلة الصعبة» بعد 28 يوماً خلف القضبان للنواصرة ورفاقه؟

 «إن عدتم عدنا».. تلك بالمختصر الرسالة التي التقطها وتهامس بها غالبية المنشغلون بالهم العام في الأردن بعد الضوء الأخضر الذي صدر بالإفراج عن أعضاء مجلس نقابة المعلمين، عندما يتعلق الأمر بالجانب السياسي وليس القانوني والقضائي في المسألة.
بعد ظهر الأحد، غادر النائب نقيب المعلمين ناصر النواصرة ورفاقه في صحة جيدة، السجن بعد 28 يوماً خلف القضبان كانت كفيلة سياسياً على الأقل وشعبوياً بإعادة ترسيم التموقع تحت عنوان البحث عن «لغة ثالثة» في التحدث بين السلطة وحراك المعلمين من جهة، وبين الحكومة والإسلامين من جهة أخرى، تفعيلاً للعنوان العريض الذي اقترحه في وقت مبكر قطب البرلمان خليل عطية عندما تحدث مع «القدس العربي» بمعادلة «لا هراوات.. ولا اعتصامات».
أول ردة فعل علنية للنواصرة، نجم الشارع الأردني اليوم بمجرد خروجه من السجن وسط أقاربه، كانت الإشارة إلى أن مجلس النقابة الذي ساهمت السلطات في تعزيز نفوذه في الشارع ووسط الحواضن الاجتماعية سيعود -حسب النواصرة- «أقوى وأصلب».
ليس بالضرورة أن يعني ذلك العودة إلى الشارع أو إلى ما يسميه وزير الداخلية المخضرم سلامة حماد، بمحاولات «ليّ ذراع الدولة». وليس بالضرورة أن يقصد النواصرة وهو يوجه رسالة جديدة بعد الإضراب عن الطعام في السجن، الإصرار مجدداً على التأزيم وعلى استعادة العلاوة التي أثارت الجدل، خصوصاً عشية استئناف الموسم الدراسي ثم التمهيد لانتخابات البرلمان المهمة المقبلة.
على واجهة التيار الإسلامي المتهم بدوره في أقنية الإعلام الرسمي، برز التصريح العلني للأمين العام لجبهة العمل الإسلامي الشيخ مراد العضايلة، وفي سياق معتدل في الواقع فقد بارك الرجل في تغريده أرسلها لـ «القدس العربي» للوطن حرية مجلس نقابية المعلمين، معبراً عن الرجاء أن يكون الإفراج عن الموقوفين فاتحة خير لمعالجة حالة الاحتقان التي يعيشها الوطن.
الجرعة كانت مسيسة جداً وتنطوي على رسالة من جانب العضايلة وهو يختم رسالته بالقول: «آن الأوان للاحتكام إلى صوت الرشد لحماية الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات». تلك عبارة تصبح استثنائية الأهمية عندما تصدر عن أحد أبرز قادة الفعل في التيار الإسلامي، وتصبح مهمة أكثر عندما تؤشر على تلك التجاذبات الإقليمية التي تدفع الأردن إلى زاوية حرجة عبر التشبيك مع الإفراج عن موقوفي النقابة، باعتباره خطوة أولى تستحق خطوات إضافية لتمتين الجبهة الداخلية.
ما هي تلك الخطوات التي يقترحها الإسلاميون المعارضون هنا؟ الإجابة مكررة ومفهومة، لكن السلطة طوال الوقت تريد عزل سياق التأزيم في ملف نقابة المعلمين عن سياق ما يسمى بالإصلاح الوطني أو الإصلاح السياسي.
أغلب التقدير أن بقاء قادة النقابة في السجن لـ 28 يوماً وبإصرار، كان رسالة عميقة تلتقطها مجسات النقابة وحتى مجسات الحركة الإسلامية، خصوصاً أن محكمة البداية أفرجت عن الموقوفين في قضية النقابة بعد انتهاء فترة التوقيف التزاماً بالمقتضى القانوني واستناداً إلى نص في قانون المحاكمات، في إشارة إلى تعزز قناعة الجميع باستقلالية القضاء وبعزل المحكمة والمحاكمة عن السياق السياسي والإعلامي والشعبوي، مع أن الجبهات القانونية المناكفة حاولت أن تلفت النظر إلى أن من نفذ التوقيف هم الحكام الإداريون بمعنى الاعتقال الإداري.
في كل حال، الإفراج عن موقوفي النقابة بقرار محكم للقضاء أمر مفيد وطنياً لجميع الأطراف، وبصرف النظر عن كيفية وخلفية الاعتقال، وفي سياق يبدو فيه أن الوطن هو الذي انتصر في مواجهة التأزيم وليس الحكومة أو النقابة أو حتى الحراك التعليمي نفسه. فالملف بين يدي القضاء، ونشطاء النقابة التقطوا الرسالة الخشنة والإصرار على التوقيف، أما الإفراج عن الموقوفين فهو محاولة لإظهار مرونة على أمل أن يكسب الجميع.
وفي الأثناء، تلك محاولة تقول ضمنياً أن عودة المعلمين لأي تصعيد لاحقاً سيؤدي إلى تصعيد مقابل. وهو أمر يقاس بميزان دقيق الآن؛ لأن الجهة التي تتحمل مسؤولية البناء على عمق القرار القضائي، إن رغبت واستطاعت ذلك، هي الحكومة؛ فرئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز يستطيع اليوم –إن أراد– نزع فتيل تأزيم لاحق إذا قرر هو ووزير التربية والتعليم إقامة حوار مع المعلمين مبني على أساس الاحترام المتبادل؛ حتى لا تستنسخ أزمة جديدة ويصعد الطرفان على الشجرة فتضطر الدولة للتدخل.
الانطباع العام يؤشر على أن الدولة في مسألة حراك المعلمين سجلت نقطتها الأولى برسالة لا تقبل اللبس أو الغموض. ويؤشر أيضاً على أن النقابة تستطيع النجاة الآن بشخصيتها القانونية إذا توقف التصعيد والتأزيم وتماسست حالة تفاهم، وفي حال العودة للتصعيد ستتدخل السلطات جميعها مجدداً. لكن في المدى العميق وفي حالة الحفر في أساسات ما حصل، يمكن القول بأن الجبهة الرسمية خسرت في بعض الحواضن الاجتماعية، وبأن عدد المتعاطفين في المجتمع مع موقوفي المعلمين زاد بنسبة كبيرة جراء الاعتقال لمدة شهر تقريباً.
الأهم هنا الإجابة عن السؤال التالي: هل كسب الإخوان المسلمون على المدى الطويل، أم خسروا بعد جملتهم التضامنية مع المعلمين؟ والإجابة ليست متاحة الآن، وقد يحصل عليها كل سائل مهتم إذا راقب جزئيتين أساسيتين في المشهد وأجاب عن سؤالين في الوقت نفسه.
السؤال الأول: كم معلماً من أعضاء الهيئة العامة للنقابة سينضم للحركة الإسلامية ويسجل في كشوفاتها بعد ما حصل؟
أما السؤال الثاني فهو: هل سيستثمر الإسلاميون بذكاء تعاطف المعلمين وهم قوة كبيرة في المجتمع خلال الاشتباك مع الانتخابات البرلمانية المقبلة؟
سؤالان برسم الإجابة، وقد يشكلان فكرة مسبقة عن خسائر محتملة افتراضياً على الجبهة الرسمية في الأسابيع القليلة المقبلة، حتى بعدما قررت القوى الفاعلة في النقابة وفي التيار الإسلامي الكمون أو الخضوع سياسياً في إطار الحسابات الدقيقة لما يجري في المنطقة والإقليم والداخل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق