اراء و مقالاتمقالات وآراء

اتفاقية «أبراهام» عرس عند «جيران» الأردن: تعليمات للإعلام و«غضب مكتوم» و«الحياد الأفقي» مكلف

 

 يحافظ وزير الدبلوماسية الأردنية أيمن الصفدي، على المسافة نفسها التي لا تقول شيئاً محدداً من الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي الذي أقلق الناس وأشغل الشارع الأردني. يحتفظ الوزير الصفدي حتى اللحظة بتلك الجملة المبهمة التي لا تؤيد الاتفاق بمقياس الحماسة المصرية، ولا تقترب بأي صيغة من معارضته عبر الاقتراب من بوصلة انفعال السلطة الفلسطينية.
ذلك هو التعبير اليتيم حتى اللحظة على الأقل للموقف الرسمي الأردني من اتفاق خلط كل الأوراق في الإقليم على الرغم من إخفاق أو عدم إعلان نتيجة واضحة بأي صيغة لما سمي بلقاء أريحا، وعلى الرغم من عدم فهم الرأي العام المحلي لا لمقتضيات وخلفيات ولا لنتائج وتداعيات ما يسمى بمشروع التكامل الاقتصادي مع العراق ومصر.
بعد وقوفه على المحطة الأردنية، يفترض أن يرعى نجم الإقليم الجديد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي تدشين مشاريع مع المملكة العربية السعودية التي ينظر لها حتى وسط الدبلوماسيين الغربيين باعتبارها راعية لاحتجاجات الشارع العراقي ضد الميليشيات الممولة إيرانياً اليوم.
والسعودية أيضاً ينظر إليها أردنياً في المسألة العراقية على أعتاب أنها الجهة التي يمكن أن تبتلع لاحقاً أي حضور أردني عميق في المعادلة السنية العراقية، لأن عمان وهي تؤطر دبلوماسياً خطابها بلون الحياد تجاه كل شيء وجميع المسارات والتطورات، بدأت تفقد حتى التواصل مع القوى العشائرية السنية التي تواليها في العادة في غرب العراق أو ترتبط بعمان بصلات وثيقة بالماضي.

الكاظمي في الحضن السعودي أيضا.ً.. وغياب مؤلم لأصحاب الرأي

في كل حال، الموقف الأردني الرسمي بطيء وزاحف ومحايد ومكلف ومليء بالغضب المكتوم عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن المشاعر والحسابات والمصالح السياسية في مرحلة ما بعد الفيروس كورونا.
تعامل الإعلام الرسمي وحتى المستقل في الأردن مع اتفاقية أبراهام وكأنها عرس عند الجيران، حيث لا تعليقات لا سلبية ولا إيجابية، ولا تحليلات ولا قراءات في الزاوية الأردنية بالنظر إلى تلك الاتفاقية.. وحيث الامتناع عن نشر مقالات حاولت التحليل على الأقل، باللغتين العربية والإنكليزية، مع أن مقالاً واحداً فقط تناول بجملة نقدية الاتفاقية بقلم الكاتب والمحلل السياسي عريب الرنتاوي.
غياب اتفاقية «أبراهام» عن برامج ومحاور ومقالات الصحافة الأردنية كان واضحاً وفاضحاً، وحتى بعض مراكز الدراسات في أبو ظبي ودبي لاحظت أن الصحافة الحكومية والرسمية الأردنية تجنبت الدفاع عن الخيار الإماراتي، كما تجنبت طبعاً انتقاد الاتفاقية.
وسربت لأوساط أردنية ما تعتقد غرف الدردشة والذباب الإلكتروني الإماراتية أنه مساحة واسعة من النقد الشرس -دون أن تتدخل السلطة لصالح موقف حكام الإمارات وخيارهم- رصدت عند جمهور المنصات الأردني، الأمر الذي أثار نقاشات ذات طابع نخبوي، مع أن شخصيات أردنية متعددة من بيها الوزيرة السابقة مها الخطيب، لاحظت علناً ذلك الغياب المؤلم لمواقف أصحاب الرأي الأردنيين وتحليلاتهم.
يجد المتابع السياسي مروان الفاعوري صعوبة في هضم فكرة تأسيس حالة تطبيع مفاجئة مع العدو من قبل أي دولة عربية، واستغراب ردود فعل مضادة في المقابل من المواطن العربي. ووسط لهجة فيها كثير من الغموض في البيان الرسمي اليتيم، يتم التعبير عبر المنصات الإلكترونية بكثافة عن الانزعاج من الموقف الإماراتي المتسرع. رصد ناشط الرصد الإلكتروني خالد إبراهيم، كما أوضح لـ «القدس العربي»- عشرات الآلاف من التعليقات والتغريدات الأردنية التي تظهر حجم الشعور بالألم والجرح من القرار الإماراتي.
وتحدث لـ «القدس العربي» أيضاً نقيب المهندسين أحمد سمارة الزعبي، عن بوصلة واضحة للشعب الأردني لم تؤثر فيها طوال ربع قرن كل المناورات السياسية ضد التطبيع، وهي بوصلة بقيت حريصة على تعريف العدو في وجدان الأردنيين.
وهو وجدان لا يعبر عنه بالتأكيد البيان الصامت نسبياً الذي صدر عن الوزير الصفدي قبل انشغال المنصات واشتباكها بعد ظهر أمس الأربعاء مع تداعيات وردود أفعال لها علاقة بتغريده «معاد نشرها» تعترض على الإقرار الإماراتي بقوة قيل إنها نشرت على صفحة الأمير علي بن الحسين.
لكن في الأثناء صمت حكومي ومخاوف من أن يمتد تأثير الاتفاق الإماراتي ليس فقط إلى معطيات وملفات داخلية ووطنية عشية الانتخابات المقبلة، ولكن أيضاً إلى ملف القدس والرعاية الأردنية للمسجد الأقصى.
هنا رصدت لهجة شريرة من إعلاميين إسرائيليين بدأت عمان ترصدهم بهدوء وهم يقترحون على المسلمين زيارة الأقصى والقدس بطائرات من أبو ظبي. ذلك طبعاً مفصل حساس في مواجهة تعقيدات الحالة الأردنية لمرحلة ما بعد اتفاقية أبراهام، مع أن شاعر البلاط القديم ووزير الثقافة الأسبق، حيدر محمود، عبر في وصلتين شعريتين عن مواقف مقلقة جداً من التطورات الحاصلة في الخليج عندما تحدث عن الكاوبوي الذي يغتصب القصيدة والجزيرة والكاز الذي يحبس الأنفاس قبل الموت.
استعارات الشاعر محمود – وهو قليل الظهور في العادة إعلاميا وشعرياً- فسرت في الوسط السياسي والنخب باعتبارها تعبيراً عميقاً وباطنياً عن الاستياء في مزاج الشخصيات الأردنية بعد اتفاقية أبراهام.
لكن يعتقد في الأثناء أيضاً بأن مرحلة الصمت قد لا تدوم طويلاً، حتى وإن حرصت السلطات في عمان على تعليمات تمنع تمجيد الاتفاقية الإماراتية كما تمنع في الوقت ذاته نقدها والتجريح بها؛ حرصاً على توازنات المصالح.
ولن يدوم الصمت الرسمي حتى وإن وصلت رسالة مبكرة من السلطة تمنع أي فعالية في الشارع تسيء إلى العلاقات مع الإمارات، مع أن جدار الصمت قد لا يصمد، بالتوازي، مقابل الحرص الإماراتي الملموس على تحويل بوصلة الإعلام والشارع الأردني لصالح تلك الاتفاقية المرفوضة، ومقابل اتجاهات أبو ظبي الواضحة لحشر اتفاقيتها في أنوف الأردنيين شعبياً دون الاكتفاء بفرضها على حكومتهم في ظل ارتفاع مستوى الحساسية من أي نقد أو اعتراض.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق