اراء و مقالات

الأردنيون وحكومتهم في حالة «تلاوم» والرهان على «الوعي» والفيروس معاً

كيف ومتى تتقرر «أوامر الدفاع»؟

عمان – «القدس العربي»: كل النقاشات السلبية والأسئلة السياسية التي تطرح بغلاف سلبي بين الأردنيين هذه الأيام تحت عنوان ازدواجية معايير التزام الحكومة بتطبيقات الوقاية الصحية وحتى بتعليمات أوامر الدفاع التي تصدرها، تسقط من حساباتها لسبب أو لآخر توجيه أسئلة مباشرة للجمهور الأردني نفسه ومقدار التزامه الحقيقي بالتعليمات الصحية المعلنة لوزارة الصحة، في الوقت الذي يمكن القول بأن هذا الجمهور هو أداة الانحراف في تعليمات الوقاية الصحية، وهو أيضاً أداة الالتزام في كل الأحوال.
ملاحظة سياسية لا يمكن إسقاطها من الحساب ولا يمكن، في الوقت نفسه، حتى وإن صدرت عن شخصيات رسمية أو موظفين بيروقراطيين اعتبارها بمثابة ذريعة تستطيع الحكومة بناء عليها الاستمرار في سياسات غير ثابتة عندما يتعلق الأمر بالتصدي للفيروس كورونا، وكيفية إلزام المجتمع بالتعليمات الخاصة بالوقاية الصحية.

كيف ومتى تتقرر «أوامر الدفاع»؟

تحاجج السلطات بأن الحفلات الفنية، التي ينتقدها سياسيون ونشطاء وتتحدث عنها قوى حزبية، حضرها في النهاية جمهور من الأردنيين. وعلى أساس أن ذلك يعني، بكل بساطة، أن المسألة مسألة وعي اجتماعي في النهاية والمحصلة، فمن نظم تلك الحفلات من القطاع الخاص أردنيون راغبون طوال الوقت في تنشيط منشآتهم السياحية ويضغطون على الحكومة من وقت إلى آخر، لأنهم يديرون مرافق تحتفظ بوظائف الأردنيين، حسب المنطق الذي تطرحه وزارة السياحة.

منطق لا يستوي

لكن مثل هذا المنطق البيروقراطي الرسمي لا يقدم إجابات على كل الأسئلة المطروحة، وإن كان يستند إلى واقع حقيقي عنوانه بأن عشرات الآلاف من الأردنيين وضيوفهم من أبناء فلسطين المحتلة عام 1948 أو الزوار أو السياح زاروا مواقع مهرجان جرش الثقافي الفني والساحات والمسارح التي استضافت حفلات غنائية لمطربين كبار، من بينهم عمرو دياب وتامر حسني، وفي الطريق غيرهما في النهاية، هم من أبناء الأردن ولديهم الحق المنطقي في نشاطات ترفيهية، خصوصاً أن الحكومة أعلنت في الأول من أيلول الماضي عن فتح جميع القطاعات.
لكن هذا المنطق لا يستوي مع طبيعة الأمور، فالنقاشات عاصفة في أكثر من اتجاه لأن تطبيقات البروتوكول الصحي مسألة تخص السلطات وليس الأردني الذي يحضر حفلة فنية، ولا الأردني الذي ينظم تلك الحفلة ويحصل على ترخيص من أجلها.
وهنا جاء أمام «القدس العربي» سياسي وبرلماني من وزن الدكتور ممدوح العبادي، بعدة ملاحظات تؤسس لهذه المفارقة؛ فقد زار كما شرح لـ «اللقدس العربي» معرض الكتاب الأردني الجديد، فأدهشته مستويات التنظيم والالتزام بالإجراءات الصحية، فيما لاحظ بأنه لا مبرر لبيع جميع تذاكر الحفلات في مهرجان يمكن ضبطه والسيطرة عليه عبر تقليص عدد الحضور أو عبر وضع قيود على بيع التذاكر للحفلات الفنية، بشكل يراعي الاعتبارات الصحية، وتجنباً لاتهامات الازدواجية.
يعني ذلك، بكل بساطة، وجود واجب له علاقة بالوعي الاجتماعي ووجود واجب للسلطة والأجهزة التنفيذية والحكومية، كما يلمح ضمناً العبادي، ويمكن الالتزام به حتى لا نخوض جميعاً بكل هذه الجدالات.
لكن بالنسبة للأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي المعارض الشيخ مراد العضايلة، فإن المفارقة لا بد من التوقف عندها، والجميع راقب موقف السلطات من احتفال طالب به الإسلاميون بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، في الوقت الذي أتيحت فيه المسارح العامة والخاصة أمام مطربين مثل عمرو دياب وتامر حسني، وهو أمر يدفع الشيخ العضايلة -كما فهمت «القدس العربي» عدة مرات، إلى تفسيرات قد لا تحبها الحكومة، وقد لا ترقي للمواطن الأردني المتمسك بهويته، وتلك مفارقات لا بد من طرح أسئلتها وطرح أجوبة مقنعة على تلك الأسئلة وسط القناعة بأن الأردني وسطي ومعتدل بمزاجه العام، لكنه لا يقبل تحت أي عنوان أو مسوغ المساس بهويته الوطنية والدينية.
من باب آخر، النقاش حول ازدواجية الموقف الحكومي أو طريقة الحكومة في التعامل بمرونة مع تطبيقات الوقاية الصحية وأوامر الدفاع، هي من المسائل التي لا يمكن حشرها دوماً في سياق الحديث عن الهوية الوطنية، فوزير بارز في الحكومة يؤكد لـ«القدس العربي» همساً وخلف الستارة، أن المطلوب الحفاظ على وظائف الأردنيين وتمكين منشآت سياحية واقتصادية، من تنظيم نشاطات حتى يستمر العمل بالعديد من المؤسسات والمرافق.
وبالتالي، لا تتقلص كثيراً واردات الخزينة من مثل هذه النشاطات، مشيراً إلى أن الاستجابة لهذا المطلب كان تحت وطأة الضغط الاقتصادي وتداعيات فايروس كورونا، ويمثل شريحة واسعة من الأردنيين، مشيراً أيضاً إلى أن الحكومة ملامة في كل الحالات؛ فهي ملامة أن تشددت قليلاً لأسباب وقائية وصحية، ويمكن لومها بالتوازي والمقابل إذا أرخت قبضتها في بعض الإجراءات لأغراض تنشيط بعض القطاعات التي كادت تصل إلى حافة الموت بسبب أزمة فيروس، وعامين من الاشتباك المفصلي والجوهري معه.
بمعنى أو بآخر، يمكن القول أن جانباً من الجدل المثير له علاقة بصمت الحكومة، أو حديثها المتأخر، أو تقديم روايتها وسرديتها لأسرار وخلفيات أوامر الدفاع وتطبيقاتها حصرياً بصورة بطيئة وزاحفة، حيث الناطقون الرسميون لا يتحدثون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق