اراء و مقالات

الأردن: «احمل لجنتك واتبعني»

الزحام على أعتاب اللجان أحد أبرز ملامح الخلل الوطني، والإصلاح مهما كانت هويته أو درجته يبدأ أو يفترض أن يبدأ بعد النوايا والإرادة بإجراءات وقرارات

كنا ثلاثة بمعية أبرز مستشار في تلك الفترة وأبلغنا الرجل بأن إرادة مرجعية صدرت بتشكيل لجنة رشيقة ومهنية تتولى وضع وثيقة إجرائية بعنوان «الإصلاح الإعلامي».
شكلت اللجنة بالتشاور مع الحاضرين وطلبت شخصيا من المسؤول الذي كان بارزا آنذاك التأكد من وجود ممثلي الحكومة والقطاع العام ثم أطراف الانتاج الإعلامي وممثلي «الرقابة والعسس» أيضا في حالة العصف الذهني والتأكد من أن الدولة لن تعيق التفكير الجماعي.
نظمت اجتماعات وفتحت لنا قاعات»ملكية» وبدأ طرح الأفكار، وفجأة انقطعت الأضواء والكهرباء، وبدأت الحكومة وجهات أخرى بنهش تلك اللجنة المهنية الصغيرة، والتي أسست بمنطق الخبراء فقط وليس التمثيل. على كل حال قررنا وبجهد ذاتي وبعيدا عن الإطار المرجعي والتنميط والتفصيل والتسميات إشعال شمعة، وإكمال الحوار في مكاتبنا الشخصية وإعداد وثيقة استراتيجية أرسلناها فعلا للديوان الملكي.
اليوم وبصراحة لا نعرف من كنا وماذا أصبحنا؟
لا نعرف في أي متحف أو درج وضعت تلك الوثيقة، وفجأة تخلت الدولة بكل تصنيفاتها عن الخبراء وأوراقهم ولجنتهم المزعومة.
حتى اللحظة وبعد أكثر من عام ونصف العام لم يبلغنا أي مسؤول عما حصل آنذاك طبعا، وبعدما ملأ الدنيا وأشغل الناس من تحدث معنا باسم المرجعيات وغطائها والإرادة السياسية، لا أحد يعرف ماذا يعمل ويفعل الآن.
على كل حال تماما مثل توزيع الحقائب الوزارية، لا أحد يعرف بالمشهد السياسي الأردني كيف ولماذا تتشكل اللجان وأين تختفي وتتلاشى فجأة مع وثائقها واستراتيجياتها، رغم أن بعض الوثائق تحولت إلى مجلدات أنيقة، ورغم أن العديد من الاجتماعات الحوارية كان يتخللها الاستمتاع بوجبات ثرية من المناسف والحلويات.
يشعر المراقب أحيانا بأن تشكيل لجنة قد يكون هدفا بحد ذاته، واللافت أن بعض الذوات الذين أعرفهم وأعرف عنهم شخصيا الكثير، بادروا إلى الاحتفال والابتهاج بعضوية لجان سرعان ما انقلبوا عليها وهاجموها.
لا توجد آلية ولا تقنية يمكنها أن تقنع قاعدة عريضة من الجمهور بأن تركيب وتفصيل وتشكيل أي لجان يمكن أن يقود حقا وفعلا إلى تمثيل قاعدة واسعة من الناس والمكونات أو يمكن أن يرضي الجميع.
أحد أعضاء لجنة مهمة شكلت مؤخرا فوجئ بمئات من أقاربه يبتهجون ويحتفلون بموقعه الجديد، وعبثا حاول الرجل إقناعهم بأن عضوية اللجنة ليست وظيفة ولا منصبا، وبأن تلك العضوية لن تساعد في أن يتوسط لهم باحتياجاتهم وقضاياهم الخدماتية.

الزحام على أعتاب اللجان أحد أبرز ملامح الخلل الوطني، والإصلاح مهما كانت هويته أو درجته يبدأ أو يفترض أن يبدأ بعد النوايا والإرادة بإجراءات وقرارات

يشك حتى صاحبنا في أن البهجة الاجتماعية التي رافقت إعلان عضويته في لجنة ما تتضمن معرفة ماهية وهوية وحتى اسم اللجنة وموضوعها، فنحن جزء من شارع يقيم وصلات الوناسة بناء على الاستماع فقط ودون تدقيق.
وثمة اعتقاد كامن في أن عضوية أي لجنة يمكن أن تنتهي بمنصب أو دور أو وجاهة، وهذا الاعتقاد وحده كفيل بإحباط إنتاجية أي عضو في لجنة استشارية، وكفيل لاحقا بعد تجميع الابتهاجات غير الضرورية بإحباط اللجنة نفسها لا بل برنامجها.
يعلم الجميع أن المجموعات الأفقية مثل العائلات الممتدة، وبأن تشكيل لجان عريضة لأهداف التمثيل الأفقي أشبه بغداء العرس، حيث لا تعرف مع من تأكل ثم لا تعرف مع من تغسل يديك لأن الجميع موجود لا على التعيين.
طبعا ذلك لا يمكنه أن يكون بديلا عن السلطات الدستورية والمؤسسات التمثيلية والحاجة ملحة دوما إلى مجموعات رشيقة صغيرة من الخبراء المختصين، وليس إلى لجان تضاف إلى أخرى، وتنتهي بوثائق تزاحمت لدرجة أن المواطن الأردني لم يعد يحفظ أو يقرأ أيا منها.
هوس المحاصصة والتمثيل عندما يخترق اللجان الاستشارية والوطنية يخرجها فورا عن سياقها، ويقود إلى نتائج عدمية، وقد ينطوي دوما على خدش أو جرح نبل الفكرة والمبادرة، فالإقرار بالحاجة لإصلاح والتصويب يعني بأن الأخطاء والأعطال موجودة.
ومن ارتكب تلك الأخطاء وتسبب بالأعطال هم موظفون بالضرورة تابعون للحكومة، يقترحون هربا من الأزمة تشكيل لجان تناقش أخطاءهم وتصلحها، ويفسدون الأمر لاحقا بالإصرار على تشكيلة غير مقنعة للجان التصويب وعلى قاعدة «احمل لجنتك واتبعني».
تختلط الأوراق هنا، ومن يعترض أو يتداخل أو ينتقد او حتى يسأل ثمة علبة إتهامات جاهزة لقصفه تخرجه أحيانا من الملة الوطنية، وتزاود عليه دوما في الانتماء والولاء أو تزعم في فرية ممجوجة وكذبة متواصلة بأنه غاضب لأن موجة «العضوية» لم تصله. الزحام على أعتاب اللجان أحد أبرز ملامح الخلل الوطني، والإصلاح مهما كانت هويته أو درجته يبدأ أو يفترض أن يبدأ بعد النوايا والإرادة بإجراءات وقرارات، ومن الصعب التصديق بأن المبادرات المرجعية النبيلة الراغبة في التحريك والتصويب تفسدها تلك المطابخ التي تكلف بتشكيل لجان غالبا ما تغضب الناس أكثر مما ترضيهم وتنتج أسئلة أكثر بكثير من الإجابات.
تفعيل المبادرات النبيلة الملكية في حاجة إلى مقاربة أوضح وأعمق، وقد لا نبالغ إذا قلنا إلى «طاقم مستنير».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق