اراء و مقالاتمقالات وآراء

الأردن: انخفاض سقف الحريات في عهد الرزاز وحكومة «التيار المدني» والملف «الإماراتي» بدأ ينضم إلى «الخطوط الحمراء»

تصعب قراءة تحويل السلطات الأردنية رسام الكاريكاتير الأول في البلاد، عماد حجاج، إلى محكمة أمن الدولة خارج سياق الخطوط الحمراء التي تريد دوائر القرار رسمها مبكراً لكل ما له علاقة بملف الإمارات، ولاحقاً دول الخليج المتصاعد، في إطار التأثير حتى على الوضع الداخلي الأردني.
حجاج، وهو فنان عالمي عملياً وليس محلياً فقط، حاول إظهار غضبه من اتفاقية أبراهام الإماراتية الإسرائيلية والتفاعل، بطبيعة الحال، مع موجة عاتية شعبوياً من الاعتراض. لكن بالنسبة للسلطات الرسمية، الرسام حجاج ثقب الجدار وقرع جرس الإنذار، بمعنى أنه لم يدلل رمزياً على موقف سياسي رافض لما فعلته دولة الإمارات، فذلك حتى الآن مسموح في الأردن، بقدر ما أحرج السلطة في مسألة القادة والرموز، خصوصاً العرب، وبصفة خاصة أكثر منهم زعماء الخليج.
يعرف الأردنيون المنشغلون بالسياسة والخبراء فيها بأن السلطات لا تسمح في أوقات الرخاء بتعبيرات تطال القادة والزعماء، وإن سعت جاهدة لبقاء الساحة مفتوحة أمام قدر من المرونة في حريات التعبير. وحصل ذلك سابقاً مع القيادي في جماعة الأخوان المسلمين الشيخ زكي بني ارشيد، وحصل سابقاً مع نشطاء تعرضوا للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والاعتقاد السائد وسط نخبة الحكومة الأردنية بأن الحساسية المرتفعة عند الجانب الإماراتي لا تسمح بعبور أو تمرير رسوم كاريكاتير ساخرة جداً وقاسية، حتى عندما يعتبر حزب جبهة العمل الإسلامي، في بيان سياسي له، أن ما حصل مع الرسام حجاج اعتداء مباشر على حريات الصحافة والصحافيين.
وعندما يتعلق الأمر بدولة الإمارات، ففي ذهن السلطة دوماً 200 ألف أردني عاملون هناك، وفي ذهنها ضِعفهم عندما يتعلق الأمر بالسعودية، وعدد أقل عندما يتعلق الأمر بدولة مثل مملكة البحرين حيث مصالح متقاطعة.
إحالة الرسام حجاج، في المقابل، إلى محكمة استثنائية معروفة بالعقوبات الشديدة هي خطوة في اتجاه التشديد وتأشير على أن مسألة التعرض للدول الشقيقة تصنف في إطار أمن الدولة والأمن القومي، وليس حسابات حريات النشر والتعبير والجرائم الإلكترونية.
لكن الرسام نفسه دخلت رسمته في توقيت حساس وحرج، فهو متميز دوماً بسقف النقد اللاذع، وسبق له أن زار الإمارات ورسم العشرات من القيادات العربية، إلا أن توقيت نشر لوحته الكاريكاتيرية جاء بعد العاصفة التي أثارتها أبو ظبي بدعوى التغريدة الشهيرة التي أعيد نشرها قبل شطبها على صفحة الأمير علي بن الحسين.
الأرجح أن الرسام حجاج سيتهم بتعكير صفو العلاقات مع دولة شقيقة، وما بين الإدانة واحتمالات الإفراج ثمة حسابات سياسية وأمنية دقيقة، لكن لوحته المثيرة للجدل حظيت بعد اعتقاله ثم محاكمته أو التوجه لمحاكمته بشهرة واسعة، فقد أصبحت لوحة كونية تعيد نشرها في العالم جميع وسائل الإعلام ودخلت في سياق التأريخ القاسي قليلاً لمرحلة ما بعد الاندفاعة الإقليمية والخليجية لإعلان التطبيع مع إسرائيل على حساب حقوق الشعب الفلسطيني الشرعية.
في كل حال، ثمة قضاء سيعالج المسألة. لكن بالتوازي، تستطيع السلطات الأردنية اليوم أن تبلغ جميع الأطراف المحلية بأن توازنات المصالح قد تؤدي إلى تضييق في هوامش الحريات الفردية، فبيان حزب جبهة العمل الإسلامي يتحدث أيضاً عن بقاء عشرات الموقوفين من المعلمين خلف القضبان، وفرض شروط كفالات مالية كبيرة عليهم رغم أجواء التهدئة.
أفرجت السلطات القضائية عن مجلس نقابة المعلمين الموقوف. لكن الموقوفين إدارياً من نشطاء الحراك التعليمي ما زالوا قيد الاحتجاز، وهوامش التعبير بالتزامن مع الفيروس كورونا والأزمة الاقتصادية تضيق في الساحة المحلية وأصبحت تؤشر -كما يبلغ «القدس العربي» المحلل السياسي مروان الفاعوري- إلى مخاطر لا يمكن الاستمرار في الاستهانة بها في الاتجاه المعاكس لتراث الأردن والأردنيين في مجال الحريات الفردية والعامة.
ورغم تفهم فاعوري وغيره لحسابات المصالح والتوازن عند الدولة، إلا أن تعليقات بالجملة بدأت تظهر وهي تنتقد الحكومة الحالية بسب إجراءات تعسفية طالت حريات الرأي والأفراد وحتى أعمال وفعاليات المجتمع المدني والحريات النقابية.
ولا يبدو رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز، الذي يقدم نفسه في العادة كمناصر للدولة المدنية ولحرية الرأي والنقد، معنياً بالالتفات إلى تلك الأصوات الصاخبة التي تحذر من تضييق الحريات العامة في وقت حساس في البلاد، والرزاز وطاقمه هنا يتركان المسألة في إدارة ورعاية المستوى الأمني صاحب الاختصاص والخبرة في التعامل مع المعطيات، وسط مخاوف شرعية من أن تستمر الهوامش بالتضيق تحت عنوان تداعيات وتأثيرات الوقاية الصحية بسبب الفيروس كورونا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق