اراء و مقالات

الأردن بين إنتاجية «التباين» مع «السيسي ستايل» و«تذخير» المعارضة… ملف الحريات في الواجهة

عمان- «القدس العربي»: ينبغي لجميع الأطراف في الحالة الأردنية الوقوف مجدداً على محطة سؤال الشفافية وحرية التعبير بعدما أصبح ملف الحريات في الأردن تحت الأضواء الكاشفة للعالم، وتحديداً لدول العالم الحليفة المهمة، مثل الولايات المتحدة والداعمين من الدول الأوروبية.
ليس سراً هنا أن القيود المفروضة على حريات النشر بين الحين والآخر بدأت تؤذي مصالح الدولة الأردنية في الخارج. وليس سراً أن الإقرار الرسمي، وليس القانوني بالمناسبة، وعلى لسان وزير الخارجية أيمن الصفدي بعبارة لا تنتمي إلى النظام القانوني الأردني مثل «شبهة الاتصال بالمعارضة الخارجية»، قد شكلت تحفيزاً كبيراً على مستوى الإعلام الدولي للبحث عن تلك المعارضة، لا بل أساساً ولأول مرة يمنحها مقعداً أمـام كاميـرا فضـائيات مهـمة.
يعترض خبراء عديدون على مثل هذا الاعتراف المجاني، فقد انتهت قصة التخابر مع معارضة خارجية على لسان الوزير الصفدي، ببحث وسائل الإعلام الدولية، هوسياً، عن رموز تلك المعارضة لاستضافتها.
ولاحظ هنا إعلامي استراتيجي متخصص مثل الدكتور عامر السبايلة، بأن مفارز التحرير والتنسيق والإنتاج في بعض وسائل الإعلام العالمية بدأت، ولأول مرة، تسأل عن هواتف شخصيات في المعارضة الخارجية لكي تحصل على وجهة نظرها فيما يحصل في البلاد.
لم يكن ذلك الخطأ الوحيد في البيان الشهير الذي ألقاه الوزير الصفدي، فالحديث عن اتصال شخص إسرائيلي مع عائلة أمير، انتهى بمفارقة لم تتعرض لها الدولة مسبقاً، حيث اضطرت عشيرة وقبيلة الأميرة الزوجة لإصدار بيان تحذر فيه الحكومة ووزيرها الصفدي، فيما كانت البيانات -بالعادة- لا تتناول قصص الأمراء وعائلاتهم. المعنى هنا أن بعض الأشخاص من الغاضبين والانتهازيين والحردانين الذين كانوا يستخدمون هواتفهم من الخارج للانتقاد الداخلي، بدأت تستقطبهم كاميرات وسائل الإعلام الدولية في خدمة مجانية قدمتها الرواية الرسمية لمسار الأحداث.
الأهم أن النيابة، وفي استجابة مرنة تقرأ المصالح الوطنية بعد الجدل الذي أثير من منظمات دولية بخصوص قرار حظر النشر في قضية «المؤامرة»، اضطرت لاتخاذ قرار جديد لاحقاً يعدل في قرارها الأول ويستثني حريات الرأي والتعبير تحت غطاء القانون من قرار الحظر.
قبل ذلك، يعترض أبناء عشائر ليس على اعتقال أبنائهم الموصوفين بالتواصل مع معارضين بالخارج، ولكن على طريقة الاعتقال واستعراض المداهمات المسلحة المبالغ فيه أثناء المداهمات والاعتقالات. تلك دوماً كلف تحت السيطرة عندما يتعلق الأمر بعمليات أمنية لها أسباب سيادية.
لكن الكلفة الأكبر سياسية ودولية اليوم، فتركيز المؤسسات والمنظمات الغربية والأمريكية على ملف الحريات في الأردن لا يناسب لا سيرة ولا مصالح الدولة الأردنية التي يعرفها الجميع، بما في ذلك تلك الإشارات المضللة التي يمكن أن تصدر عن وسائل إعلام هنا أو هناك، وتحاول تشبيه ما يحصل في الأردن أو مقارنته بملف الحريات فيما يحصل في دول أخرى في المنطقة. تلك بالتأكيد مقارنة ظالمة ومتعسفة وقد تعوزها الدقة.
لكن الملاحظات على ملف الحريات والانتهاكات تراكمت بنفس الوقت حتى في الداخل الأردني، وأحيانا في أروقة مؤسسات الدولة، وقد بدأت تتكثف وتنمو وتزحف أكثر بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والتي أقر ذراع الدولة الحقوقي، وهو المركز الوطني لحقوق الانسان، بأنها شهدت أخطاء جسيمة وتدخلات لا يمكن إغفالها.
لا يوجد معتقلون سياسيون في الأردن فعلاً. ولا يوجد من يتم إيقافهم بسبب آرائهم إلا في بعض الحالات على مستوى الحراك الشعبي. لكن السلطات، وعندما يتعلق الأمر بما يصفه رئيس حزب المعارضة الأكبر الشيخ مراد العضايلة بالتغول الأمني، لا تجتهد في تقديم معيار قانوني عادل ومنصف عندما يتعلق الأمر بالتصرف ضمن الاعتبارات الأمنية فقط. وبالتالي، صحيح أن ما يوصف وسط الإعلاميين والدبلوماسيين بـ «سيسي ستايل» أو النموذج المصري، لا يمكن مقارنة الأردن به.
لكن الصحيح – في المقابل – أن هناك ممارسات وإجراءات بدأ الإعلام الدولي والأمريكي تحديداً يسلط عليها الضوء بطريقة تقدم لها ذخيرة مجانية من حكومة عمان أحياناً ويمكن الاستغناء عنها في حال العودة إلى مربع الإصلاح الوطني الشامل، كما يؤكد لـ»القدس العربي» الوزير والنائب السابق المخضرم الدكتور محمد الحلايقة. والحلايقة وغيره من المخضرمين الكبار لا يريدون التأثير سلباً على سمعة المملكة في الخارج في مجال الحريات تحديداً بسبب أخطاء وعثرات بيروقراطية هنا وهناك.
وهؤلاء جميعاً يزعجهم، لا بل يقلقهم رصد مقالات وتعبيرات في صحف غربية تتحدث عن مسؤولين في حلقات الإدارة الأردنية المهمة يدفعون الأمور بدون مبرر باتجاه القمع. وبالتالي، يمنحون من يتحدث عن الاستبداد في بلد عرف بالاستقرار والأمن والتسامح الشديد بدلالة كيفية معالجة القيادة للأزمة الأخيرة، ذخيرة مجانية لمقاربات ومقارنات لا أساس لها.
أسوأ ما يمكن أن يحصل لسجل الأردن هو تقديم خدمات مجانية لأولئك المتربصين في واشنطن ولندن وبروكسل، وغيرها من عواصم الغرب، بحيث تعتاد الأذن على أسطوانات المقارنة غير الحقيقية لما يحصل في دول مجاورة.
أسوأ ما يمكن أن يحصل فعلاً وأيضاً هو إجراءات وتدابير بسيطة يمكن أن تجعل مصالح الأردن لاحقاً مع إدارة أمريكية ديمقراطية جديدة تهتم علناً بالديمقراطية والحريات وخصوصاً في الدول الصديقة والحليفة، معرضة للتهديد أو المضايقة.
الحالة الأردنية ليست مطابقة أو مماثلة لتلك في دول عربية أخرى. وقد قطفت الحكومة الأردنية طوال عقود ثمار قدر من التباين معها، لكن المطلوب اليوم الاجتهاد في هذا السياق المهم والحساس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق