اراء و مقالاتمقالات وآراء

الأردن بين «التعديل» وشبح «التغيير»: غارق في تكهنات الانتخابات والمناصب العليا وزحام الجنرالات والمقاولات

لا يريد رئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز الالتفات أكثر مما ينبغي إلى حادثة «مداهمة شركة مقاولات كبرى في عمان»، ليس فقط لأن الحادث أنتج، صمتاً، المزيد من «الإثارة السياسية»، بل أيضاً لأن الحكومة مشغولة تماماً بخيارات المستقبل الوشيك في ظل ما يقال ويتردد عن «ضرب المال السياسي» عشية استقبال السفير الأمريكي الجديد وقبل تسلّم مهام عمله، وكذلك في ظل المساحة التي يريد الرزاز إشغالها ضمن أجندة زمنية ضاغطة بعنوان تعديل وزاري يؤدي إلى تحقيق وصفة البنك الدولي بـ»حكومات رشيقة» وتحديد خيار الإجابة عن السؤال التالي: هل نذهب فعلاً إلى دورة استثنائية سريعة للبرلمان أم نتجه إلى مسار مختلف؟
الأوراق السياسية مختلطة تماماً بهذا المعنى، خصوصاً أن الشارع ومعه العديد من مؤسسات المجتمع المدني ينتظر «المستجدات» في ملفات لها علاقة بمخالفات عطاءات ومداهمات أمنية في قطاع المقاولات، وبعد تحقيق مثير مع جنرال متقاعد أودع السجن مؤخراً ضمن التحقيق بتهمة الاستثمار الوظيفي.
مؤخراً، وفي الساعات القليلة الماضية، ألغى القصر الملكي «بعض الاجتماعات» الأساسية التي تمحورت حول إخضاع اللجان الاستشارية المتعددة ومشاركات بقية المؤسسات لمنطوق قانون الدفاع وصاحبه الرئيس الرزاز.
تلك إشارة إلى أن الأولويات بدأت تختلف وفقاً لمستجدات بالقطعة، فالأعين كلها في الأردن تترقب التحولات الهامة التي حصلت أو يمكن أن تحصل لاحقاً في عدة ملفات مهمة، أبرزها تداعيات حملات التحقيق مع نافذين ومقاولين كبار في إطار شبهات فساد. وبينها التموقع الخطر إقليمياً إذا ما نفذت إسرائيل تهديداتها بضم الضفة الغربية والأغوار، وكذلك أولويات الحماية الاقتصادية خلافاً لتداعيات الفيروس كورونا والجدل الخالي من الانضباطية بين وزير الصحة الدكتور سعد جابر والطاقم المهم العامل في اللجنة الوبائية التي أصبحت بدورها «قوة موضوعية» في الواقع السياسي والبيروقراطي موسمياً.
في التوازي التام مع أسماء «قائمة وزارية» جديدة بدأت تتداولها المنصات التواصلية منذ يومين ضمن تعديل موسع في خيارات حكومة الرزاز، صعدت تلك القراءات التي ترجح أن خيار التغيير الوزاري لم يخرج من السكة بعد تماماً بعد الإقرار الجماعي بسلسلة أخطاء ارتكبتها الحكومة الحالية، وبعد الإثارة السياسية المحتملًة بعنوان دور تحقيقات ومداهمات التهرب الضريبي والجمركي، ولاحقاً بعض تكهنات وتحقيقات ملفات فساد في نقاش الانتخابات المقبلة وفي ترتيبات بقاء أو رحيل مجلس النواب الحالي من حيث التوقيت والجدوى الدستورية.
وهنا من الطبيعي جداً في ظل مثل تلك المعطيات أن يتموقع الرزاز نفسه وسط جملة تكتيكية بقدر الضغط العام في مسار الأحداث ويحتفظ بورقة إستراتيجية مثل التعديل الوزاري المقنع، ولو من باب الاحتياط، وسط زحمة الطامحين إلى موقعه، وهم كثر الآن في الواقع.
بين سلسلة لا متناهية من التجاذبات وتكتيكات في غير وقتها، يحاول الرزاز الصمود بتجربته، ولو على أساس تجاوز مرحلة كورونا، بأقل الخسائر الممكنة، خصوصاً بعد دوره البارز في ترتيب ملفات البنك الدولي برفقة وزير المالية النشط الدكتور محمد العسعس.
المنقول عن أوساط مقربة من مجلس الأعيان، حيث المخضرم فيصل الفايز رئيساً يحافظ على مسافة فاصلة بين مساري التعديل أو التغيير الوزاري، ويبقي في المحصلة رحيل الحكومة من بين الخيارات على الأقل في حديث المجالس.
الأسماء التي ترشحها وسائط التواصل على الأقل لحمل حقائب وزارية جديدة تبدو عودة اضطرارية لخبراء في طبقة البيروقراط يجلسون مكان رموز محسوبة على «التيارات المدنية» كشفت قلة خبرتها فعاليات المعركة الأخيرة مع فيروس كورونا.
وفي نطاق بعض أقنية مركز القرار، أخفقت مبكراً في بداية أزمة كورونا اقتراحات تشكيل حكومة «شبه عسكرية» يتبناها الجنرالات، وفي الأفق حديث عن «تعديل دستوري» بدأت تظهر الحاجة إليه بعنوان توسيع إطار مفردة «طوارئ» في النصوص الدستورية، مع «تمكين» الرزاز لاحقاً وبعد التضجر والشكوى من إدارة خلايا الأزمة ومجلس السياسات.
في الأفق ذاته أيضاً، وسياسياً، غياب مرصود إعلامي لدور رجل المبادرات رئيس الديوان الملكي يوسف العيسوي ضمن النشاطات الحكومية والاجتماعية، في إشارة قد يفهم منها بأن «تبديلات» قد تنضج لاحقاً في العديد من المناصب العليا، وتحديداً في الطاقم الاستشاري العامل في مؤسسة القصر الملكي، بهدف التنويع والحد من نفوذ بعض المستشارين أو إعادة إنتاج دورهم وتموقعهم وكذلك ملفاتهم.
يفترض أن يقرأ الرزاز كل الأجزاء في خريطة الواقع الموضوعي، ويحسم خياراته وسط زحمة الأولويات وتكاثر الأجندات وتقاطع مصالح العديد من مراكز القوى. وضمن بعض المعطيات المتعلقة بطاقم الرزاز، من المرجح أن يبعد الرئيس لأغراض البقاء وتجنباً لمزالق جديدة إذا أتيحت له فعلاً فرصة التعديل وتجنب شبح تغيير بعض الوزراء «الذين يحبهم ويؤمن بهم» أو يقيم معهم صداقات، وهو خيار كان فعله أصلاً مع وزير الثقافة والشباب السابق الدكتور محمد أبو رمان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق