اراء و مقالات

الأردن: بين «حقيبة سفر» و«همة وطن»… «حوار طرشان» برفقة رموز القطاعين العام والخاص

تبادل ساخن للملاحظات وشيطنة واتهامات وتساؤلات عن أسس «الشراكة»

تبدو ملاحظة انفعالية قليلاً وفي وقت أزمة مربك، من وزير أردني يتمتع برصيد كبير من الإقرار بنزاهته وبعض قدراته الإدارية. لكنها أيضاً ملاحظة أقلقت من سمعها من قطاع وشريحة المقاولين في الأرن، حيث عبارة «غير مقصودة» على لسان وزير الاشغال المهندس فلاح العموش تحاول استنكار عدم إظهار بعض الأفراد في طبقات البزنس والأعمال لمستويات منطقية من التضامن مع بلادهم، خصوصاً في البدايات المبكرة لأزمة كورونا.

تبادل ساخن للملاحظات وشيطنة واتهامات وتساؤلات عن أسس «الشراكة»

يتعلق الأمر بعبارة شاردة طبعاً قيلت لبعض المعنيين في قطاع المقاولات في أحد الاجتماعات ومن باب اللوم والتقريع المحب لرجل خدم كل حياته في القطاع العام، وهو الوزير العموش الذي يقول بقدر من الانفعال بأن من «أنتج أمواله وحصل عليها من خارج البلد بإمكانه حمل حقيبته والمغادرة».
صعب اعتبار هذه العبارة من أنماط المزاودة. لكن رموز المقاولات، وقد سمعت «القدس العربي» بعضهم لا بل أهمهم تناقلوها باعتبارها إشارة ما على مسألة ما غامضة خلافاً لأنها خارج سياق أو قد تكون خارج سياق التحاور والاستقطاب، فالمقاولون شريحة أساسية في الحركة الاقتصادية وتحريك السوق، ولا مزاودة عليهم في دورهم النمائي ووطنيتهم… هذا ما يمكن فهمه من الأدبيات والبيانات والتعليقات التي تصدر عن نقيب المقاولين أحمد اليعقوب.
اليعقوب أظهر طوال الوقت جملة حريصة على التوازن في بداية أزمة كورونا ما بين حماية مصالح نقابته وفقا لما فهمته مباشرة «القدس العربي» منه، وبين الواجب الوطني، حيث تبرعت النقابة للقطاع العام والصحي، وحيث أظهرت حرصاً على التجاوب مع كل خطوات الحكومة في الحفاظ على العمال وحقوقهم والرغبة في التشغيل.
مقاولان من طراز وصنف مختلف ومتباين تحدثا بالصدفة إلى «القدس العربي»، وهما أسامة مدانات وزميله ضرار الصرايرة، بأن لا ضرورة لبعض الخطابات المتشنجة التي تنطوي على مزاودة تتهم أو تشيطن رجال الأعمال بصورة أفقية لا أحد يستفيد منها.
ذلك لأن القطاع الخاص برؤوس أمواله هو عنصر المركز أصلاً في التنشيط الاقتصادي والحفاظ، حتى في وقت الأزمات، على وظائف المواطنين وإيقاع حياتهم، وفقاً لما يتمسك به ويؤكده دوماً رئيس غرفة تجارة عمان خليل الحاج توفيق، الذي يساهم في نقاشات «القدس العربي» دوماً على أساس قناعته الوطنية بالحاجة إلى تشاور وطني توافقي جماعي دون الإفراط بالحماسة لبعض المعلبات التي تحاول الإساءة فقط للقطاع الخاص بدلاً من الالتزام بالرؤية الملكية المرجعية العلنية التي تأمر وتوجه جميع المؤسسات بتوفير تسهيلات الشراكة.
إذا كانت الشراكة مطلوبة أصلاً بالقطاعين العام والخاص قبل أزمة كورونا وتداعياتها، فهي اليوم ضرورة وطنية ملحة، وإنجاحها مرهون -برأي خبراء عميقين- بتلك المعادلة التي اقترحها علناً نائب رئيس الوزراء الأسبق الخبير الدكتور محمد الحلايقة، وهو يحذر الحكومة ورموزها ضمناً من عدم وجود فوائد ناتجة، خصوصاً بعد المداهمات الضريبية وتحقيقات المال وقرارات الحجز عن تشويه طبقة رجال الأعمال واتهامهم جميعاً.
هو تحذير أيضاً للشارع والمجتمع ووسائل الإعلام، ويربك ويخيف -برأي المقاول ورجل الإدارة والأعمال- كل من يؤمن بالقطاع الخاص أو حتى يريد المساعدة؛ لأن الهوامش تختفي أحياناً وسط الضجيج العام والإفراط في الإثارة بين إجراءات قانونية من حق السلطة، ولا خلاف عليها، وبين السماح بالتشهير بالقطاع الخاص. لكن عبارة العموش المشار إليها سالفاً قد تعكس نمطاً من التجاوب البيروقراطي أحياناً والفردي غالباً مع تلك النغمة المتنامية في أوساط بعض المسؤولين وجزء من قطاعات الشارع، والقائلة بأن القطاع الخاص لم يقف مع الوطن في أزمته ولا يريد أن يقف.
تلك لا يمكنها أن تكون حقيقة، ولا يمكن السماح بها كانطباع أقوى من الحقيقة ودون اختبار حقيقي للقطاع الخاص على أساس إشراك كل مؤسساته ورموزه في حالة تشاور وطني على أزمة عامة بدلاً من الاسترسال في تأسيس شلل في القطاع الخاص، أو التفريق بين مؤسساته وشركاته ورموزه، أو تقريب بعض المحظيين على حساب الآخرين، خصوصاً في الجزء المتعلق باللجان الاستشارية التي شكلت للمساعدة في إدارة الأزمة، حيث نواقص وعيوب صعب إنكارها، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر أيضاً بوزراء وموظفين ومسؤولين يكثرون من اللوم فقط، ويلاحظون على القطاع الخاص، ولا يوفرون أجوبة مقنعة على أسئلة رموزه. أو عندما يتعلق الأمر بإقصاء وتهميش البعض وتحويل المشاركة والتشاور إلى هبة أو منحة لبعض رجال الأعمال وممثلي البنوك دون غيرهم، ولبعض المؤسسات المدنية والقطاعية دون غيرها، الأمر الذي تنفيه الحكومة بالعادة لكن بصورة هشة.
تشتكي مؤسسات مهمة في القطاع الخاص من تجاهلها وعدم قراءة مذكراتها ورسائلها، وعدم التشاور معها، ويشمل ذلك قطاعات صناعية وجمعيات رجال أعمال وغرفاً تجارية ولجاناً برلمانية ووثائق صدرت عن أحزاب في ظل أزمة كورونا.
في كل حال، قد لا يعني كل ذلك بأن القطاع الخاص، وتحديداً البنكي، قام فعلاً بواجبه خلال الأزمة، فالمستشار والخبير الاقتصادي محمد الرواشدة يسأل علناً عن تلك المفارقة الرقمية التي تقول مثلاً بأن أرباح البنوك في عام 2019 كانت 900 مليون دينار، وأنها جنت من عام 2009 إلى اليوم أكثر من ملياري دينار من فوائد سندات الخزينة، لكن تبرعاتها لصندوق همة الوطن بعد كورونا كانت بأرقام هزيلة لا تصل إلى 40 مليون دينار.
هل يعقل ذلك؟.. سأل الرواشدة الكاتب السياسي أسامة الرنتيسي علناً، وما حصل من حصيلة تبرعات بائسة في صندوق كورونا المشار إليه رسالة أعمق بكثير من أن تقرأ فقط في سياق اتهام للقطاع الخاص ورجال الأعمال، أو في سياق تبرير يخلو من الإحساس بالوطنية ضمن تداعيات مسلسل حوار أقرب إلى الطرشان اليوم.
ابتداء من عبارة وزير الأشغال التي تداولها المقاولون في بداية أزمة كورونا، وانتهاءً بالسؤال الوطني المثار بعنوان بؤس عائدات تبرعات صندوق «همة وطن»، مروراً بالتلاوم وتبادل الشكوى بين القطاعين.. أصبح لزاماً أن يجلس الجميع معاً في محاولة، ولو صغيرة، للبحث عن ضوء بدلاً من البقاء في العتمة. فمن يبادر ويقرع الجرس؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق