اراء و مقالاتمقالات وآراء

الأردن بين ميول «الناخب الانتحاري» والهندسة «العدمية»: ثلاثية «الصحة والتعليم والاقتصاد» قد «تدفع الثمن»

 

 آخر النهار وفي الحلقة الأخيرة من مسلسل الجهل الاجتماعي، يقبل نحو 3 آلاف مواطن التحشد في إحدى القرى والضواحي في سياق مشهد جهوي أو حتى عشائري يخلو من السياسة، شمال المملكة؛ لإعلان مبايعة أحد المرشحين للانتخابات بالتوازي مع إسقاط تام لكل الاعتبارات المتعلقة بالفايروس كورونا.
وبالقياس، يتكرر المشهد تجاه مرشح آخر في إحدى مناطق البادية، وأيضاً شمال المملكة. ففي الجنوب ترصد التجمعات نفسها بين الحين والآخر، لكن أيضاً على أساس الإجماعات العشائرية مع التذكير بأن الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات نجحت قبل أسابيع في خطف توصية من اللجنة الوبائية الوطنية تسمح بالإجماعات العشائرية، لا بل تستثنيها من تطبيق أوامر الدفاع التي تمنع اجتماع أكثر من 20 شخصاً في الأردن.

تجمعات جهوية وعشائرية برفقة مرشحين «لا يفعلون شيئاً» تثير تساؤلات

يعلم الجميع نسبياً بأن ما يسمى بـ «الإجماعات العشائرية» على مرشح دون غيره هو جزء من تركيب وتفكيك عملية الهندسة التي يتحدث عنها وينتقدها معارضون سياسيون، التي تسبق عملية الانتخابات. تلك «الهندسة» على الأرجح، تستطيع -بحكم اعتبارات غامضة- استثناء نفسها من تطبيقات أوامر الدفاع.
يعبر الأمين العام لأكبر أحزاب المعارضة، وهو الشيخ مراد العضايلة، علناً عن جرعة انزعاج وطنية مما يسميه بالتوظيف، مشيراً إلى أن التوظيف السياسي والأمني لجائحة كورونا أفسد ثلاثية الصحة والتعليم والاقتصاد، على أساس تحقيق مكاسب قريبة تنتهي بكوارث على مستقبل المجتمع والدولة.
وقد ينطوي ما يقوله العضايلة هنا على قدر من المبالغة، لكنها مبالغة من النوع الذي لا أدلة أو قرائن عليها أو ضدها، فالانتخابات الوشيكة – في رأي شخصيات معتدلة جداً- لا تناكف ولا تشاغب أصلاً، لكنها تتميز بالحكمة السياسية والخبرة البيروقراطية، مثل الدكتور محمد الحلايقة، التي كان ينبغي أن تخضع للمراجعة من حيث التوقيت وعلى أساس أن المجازفة ستكون أفقية.
عملياً، صحيح أن الهيئة المستقلة للانتخاب والسلطات تدخلت وبحزم لإخضاع المرشحين الذين يستعرضون في الشارع بإجماعاتهم العشائرية في نطاق عملية تنطوي على «ابتزاز» يفهمه الجميع لخصومهم في العملية الانتخابية وللدولة أحياناً، لكن صحيح – في المقابل – وفقاً لما يلاحظه ويرصده الناشط السياسي عاصم عياد، أن ثمة آلافاً من المواطنين يقبلون الاحتشاد والانحياز لهذا النمط من الانتخابات ويجازفون على أساس جهوي أو مناطقي أو عشائري أو حتى مكوناتي، بالاحتشاد طوعاً من أجل مرشح ما يعلم الجميع أنه لن يفعل شيئاً بالنتيجة لا لهم ولا لمصلحة الوطن.
للحق، ظهر أيضاً ذلك في مقرات أقل احتشاداً في العاصمة عمان، وكانت النتيجة إصابة مرشحين بالفيروس. وفي حال رغبة مرشح ما بالاستعراض شعبياً وتغافل عين رقابة الدولة لسبب أو لآخر أو لأغراض تلك الهندسة إياها، يسأل عياد:.. ما الذي يدفع آلاف المواطنين إلى مثل هذا الزحف الانتخابي دون كمامات؟… ما هو أساس الذهنية الاجتماعية التي تجعل الناخب أو المقترع، بصرف النظر عن هويته، جزءاً يقبل المشاركة الانتحارية بهذا الحفل وبدون وقاية صحية؟
مع بداية أزمة كورونا، سمعت «القدس العربي» من البرلماني والقطب السياسي المخضرم الدكتور ممدوح العبادي، مقولته الشهيرة عن ضرورة استيقاظ المجتمع وتفعيل أذرع القانون بالمراقبة والعقوبة، ملمحاً إلى أن التساهل البيروقراطي سبب يبرر، مع ملامح الجهل الصحي أحياناً، ما يحصل في الشارع.
الحاجة ملحة، وقبل المضي قدماً في مشوار «المجهول» على حد تعبير وزير الصحة الحالي نذير عبيدات، إلى «صدمة حقيقية» من المرجح أنها ولدت اليوم، فرائحة الموت وسط الأردنيين بسبب الفيروس تزيد، والمستشفيات مزدحمة، والتفشي الوبائي أصبح أفقياً، وعشية الانتخابات المليئة بالاستعراضات الشعبوية يتفشى الوباء أفقياً وتصبح أعداد المصابين قياساً بأعداد السكان في الصفوف الأولى بالمنسوب العالمي.
تستطيع السلطة إظهار قدر من الغلاظة تجاه المرشحين وضبط إيقاعهم وإغلاق مقراتهم، لكن لا توجد سلطة في الكون يمكنها أن تقنع مواطناً ما بتجنب الميل للانتحار واعتزال الاحتشاد، خصوصاً من أجل مرشح للمنطقة أو للعشيرة يقول سجله بأنه لم يفعل شيئاً في الماضي ولن يفعل شيئاً في المستقبل، لا هو ولا البرلمان برمته.
تلك الذهنية في المساأة الاجتماعية من أبزر «أخطاء الدولة» في هندسة الفكرة الانتخابية في الماضي، والجميع يدفع ثمنها الآن. والدولة تفعل قبل المجتمع، الأمر الذي يتجاوز فيه الشيخ العضايلة التلميح نحو التصريح.
مجدداً، وفي الحلقة الأخيرة للمسلسل الديمقراطي الأردني، تلك محصلة طبيعية في وقت فيروسي استثنائي لصيغة نظام وقانون الانتخاب، وبالنتيجة لتلك المعادلة المعلبة القديمة التي أخافت القرار من الإصلاح والتغيير وكرست ثقل الترشيح العشائري، لا بل فككت البنية الاجتماعية.
وعليه، هي نفسها تلك المعلبات التي يدفع الجميع ثمنها اليوم، فالمفارقة المحلية الأردنية تقول بأن الاستمرار في تكرار السيمفونية الانتخابية نفسها قد يدفع ثمنه فعلاً النظام الصحي برمته، ولاحقاً الاقتصادي والتعليمي.. الأيام القليلة المتبقية على يوم الاقتراع في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني الحالي يفترض أن تقول الكثير ليس فقط في جدوى وإنتاجية تلك «الهندسة» ولكن أيضاً في عدميتها وعبثها وكلفتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق