اراء و مقالات

الأردن: «جنية» اسمها «سوشيال ميديا»

حماس وشغف المواطنين في متابعة ما تبثه أو تنتجه منصات التواصل حصريا دخل في سياق الإدمان الاجتماعي

قالها لي مرة سياسي أردني مخضرم يوما «زوج بنتك الطرمة لابن عمها الأعمى والفضيحة مع الحفلة أسبوع».
لا تبدو مجرد عبارة شائعة في أوساط القرى فقط، خصوصا عندما تقال وتتردد في سياق تحليل سياسي، أو على هامش محاولة لفهم ما الذي يجري بصورة محددة في المشهد الداخلي الأردني بين الحين والآخر.
تصبح الفرصة مواتية أكثر للتأمل في ذلك الزواج المضحك المبكي بنفس الوقت، عندما يتعلق الأمر بمحاولة فهم العلاقة بين كيفية تفكير السلطة وما يتبعه من استقطابات وتجاذبات، وبين كيفية تفكير العقل الجماعي للجمهور المنشغل بكل القضايا وبأي قضية دوما، وخصوصا على منصات التواصل.
لا يجد القوم في الأردن، سواء في الدولة أو حتى في المجتمع، آلية مناسبة لاحتواء ما ينتج عن منصات التواصل الاجتماعي تحديدا، فهي التي تقود فيزيائيا الآن.
والسبب ببساطة أن حماس وشغف المواطنين في متابعة ما تبثه أو تنتجه منصات التواصل حصريا دخل في سياق الإدمان الاجتماعي، فيما المسؤول الأردني تصيبه أعراض نفس المرض، فيدمن في المقابل على ملاحقة ومتابعة كل ما يكتب عنه في صفحات الناس التواصلية الشخصية.
يؤدي ذلك فورا لتقليص ساعات العمل الانتاجي وإلى استنساخ العديد من المسؤولين أو الوزراء أو الموظفين المرعوبين أو الذين تركب أكتافهم جنية تحمل اسم «سوشال ميديا».
أعرف شخصيا مسؤولين كبارا وسياسيين أكبر، يخصصون ساعات طويلة من وقتهم لمتابعة ومراقبة الغث والسمين، الرديء والإيجابي عبر منصات التواصل، وأعرف شخصيا بأن حلقات السلطة التنفيذية، سواء في الإطار البيروقراطي أو حتى في القنوات الأمنية تخصص المزيد من الكوادر والمزيد من ساعات العمل والنفقات العامة في عمليات مراقبة لا معنى لها لكل ما يحصل على الشبكة، وعلى أساس فرضية عبثية سمعتها شخصيا في غرف القرار وتقول بأن معرفة اتجاهات الشعب الأردني الحقيقية ممكن عبر مراقبة وقياس تلك الصولات والجولات والمعارك على تلك الشبكة الافتراضية.

حماس وشغف المواطنين في متابعة ما تبثه أو تنتجه منصات التواصل حصريا دخل في سياق الإدمان الاجتماعي

وهم كبير بتقديري الشخصي يستنزف الحكومة وتتورط به الدولة أحيانا ويهيمن على قاعدة عريضة من شرائح المجتمع وأحيانا دوائر القرار.
لدي دليل على ذلك، فمن شاهد المنصات قبل أسبوع من يوم 24 آذار الماضي اعتقد لوهلة بأن الساخطين والناقمين والمنزعجين والمعارضين والحراكيين في الأردن سيتكومون في الشارع بمئات الآلاف.
كان الزخم الشعبي آنذاك ضخما لكن على الشبكة الافتراضية ومن توهم من الذين خرجوا للشارع فعلا في اعتصام جماهيري زاحف وجدوا أنفسهم قلة قليلة. كان المناخ يوحي بأن نصف الشعب سيخرج إلى الشارع وتبين بأن عشرات الأشخاص فقط خرجوا بينما عشرات الآلاف قالوا بأنهم سيفعلون على الشبكة.
أعتقد شخصيا وأمري إلى الله بأن تأييد بعض شخصيات المناكفة في المجتمع الأردني وهمي أو افتراضي فقط، فالناس إلى حد كبير تتسلى بالتأزيم والتثوير والنقد والاعتراض أثناء تدخين «الآرجيله» أو تناول المنسف، والغريب أن الحكومة أحيانا تصدق هذه التسالي فتنشغل بها.
تلك ممارسات تستنزف الأردنيين على مستوى الأفراد والمؤسسات، لكن السلطة هنا ومعها الحكومة تبدو خائفة وقلقة ومرتجفة مما يثير الارتياب فعلا، مع أن المسألة على الشبكة أقرب إلى سهرة وناسة، خصوصا وأن ما يسمى بالمعارضة الخارجية تواصل البث بين الحين والآخر فيما يتسلى المواطنون بالفرجة ليس أكثر ولا أقل.
الصداع الذي تسببه منصات التواصل للأردنيين، قيادة وشعبا، لا يحتاج إلى كل ذلك الضجيج والإثارة، وبالتأكيد لن تخفف من تطبيقات قانون الجرائم الإلكترونية، وما يمكن أن يتكفل به بصورة حصرية، هو تدريب المسؤولين في الدولة على فكرة السقف الذي إرتفع وقبول النقد والرأي الآخر، وتجنب الاستعانة بالدولة ومؤسساتها ومجهودها الحربي، عندما يتعلق الأمر بعبارة ساذجة قيلت هنا أو هناك بحق المسؤول.
راقبنا بأسف أزمة كبيرة لأن معلمة في إحدى المدارس وضعت اسم أحد الوزراء الى جانب سميرة توفيق المطربة، وأحد كبار السياسيين رفع يوما أكثر من 250 شكوى إلكترونية قضائية على كل من مر بجانبه في تعليق سلبي، والدولة برمتها حزنت لأن احدا ما قال يوما بأن طريقا فرعيا لمزرعة أحد كبار المسؤولين تم تعبيده.
باختصار يتسلى المواطنون بهذه القصص والحل يبدأ من عند إيمان المسؤولين بأن يستمع لتلك القصص من باب الترفيه والتسلية أيضا، بمعنى توسيع صدر الحكومة قليلا، وتشتيت الانتباه والرد مهنيا على كل التقولات برواية صلبة ومتماسكة، والأهم الرد على المعلومة بالمعلومة فقط، لكن في الوقت المناسب.
مجددا لا يحتاج الأمر لكل هذا الضجيج، فأضخم قصة على الافتراضي يتسلى بها الأردنيون عمرها 3 أيام، ولو لم تتوفر واحدة لاخترعت، ويمكن للجميع انتظار مهلة الأسبوع التي يتحدث عنها صاحبنا، وهو يبتسم في زواج الأقارب من ذوي الاحتياجات الخاصة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق