اراء و مقالات

الأردن: حفل «ممنوع» للمولد النبوي … اتهام للإسلاميين «في مكانه» و«اختبار» حقق أهدافه

عمان – «القدس العربي»: لا توجد تهمة حقيقية أو دسمة في الاتهام المبطن الذي وجهه بيان لوزارة الداخلية الأردنية يحاول توضيح موقف السلطات الأمنية والإدارية من مذكرة تقدم بها حزب جبهة العمل الإسلامي المعارض، يطالب فيها بتمكينه من إقامة احتفال ديني بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، وسط المدرج الروماني في عمق العاصمة عمان. عملياً، تلك تهمة في مكانها. والحزب نفسه، وهو معارض، من الطبيعي أن يناكف.
في كل الأحوال، لا ينفي التيار الإسلامي مثل هذه التهمة، لا عندما يتعلق الأمر بالمناكفة، ولا عندما يتعلق بوجود دلالات وخلفيات سياسية وراء مذكرته.
بالتأكيد وعلى الأرجح، تلك تهمة في مكانها، لكنها لا تعيب حزباً معارضاً عملياً، وظيفته وتقنيات قيامه بواجبه تتطلبان الاسترسال في حزمة متسعة تتيحها الهوامش الدستورية والقانونية من المنتجات والحراكات والدلالات السياسية.
حتى الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي الشيخ مراد العضايلة، لا يمكنه نفي تهمة من هذا الطراز لها علاقة بدلالات سياسية تقف وراء المذكرات والمطالبات، فالحزب على الأرجح خطط جيداً لتوجيه رسالة، والحكومة -بصرف النظر عن حساباتها- التقطت تلك الرسالة وردت عليها، في المقابل، بسلسلة إفصاحات وتوضيحات رسمية تنطوي أيضاً على دلالات سياسية. وبالتالي، لا يوجد عملياً ما يبرر السعي للتلاوم وتبادل اتهامات من هذا النوع، خصوصاً أن الأحزاب السياسية من الطبيعي جداً أن تتجه نحو تقديم رسائل سياسية سواء لإثبات بعض المعطيات أو نفيها، وهي مسألة تنبه لها ناشط حراكي معارض بشراسة للإسلاميين ولتياراتهم مثل أحمد جعفري، وهو يستغرب البيان الصادر عن وزارة الداخلية؛ لأن الحزب السياسي من الطبيعي جداً أن يتحرك في سياق دلالات سياسية.
قبل أكثر من أسبوع، تحدث الأمين العام للحزب الشيخ مراد العضايلة، وبين يدي «القدس العربي» وعلى هامش نقاش عن رسالة سياسية تنطوي على إيحاء ضمني بأن الخطوة المتعلقة بإقامة احتفال بمناسبة المولد النبوي الشريف، هي بحد ذاتها رسالة سياسية تختبر مسألة ما .وسبق لـ«القدس العربي» قبل أيام قليلة أن نشرت حديثاً للشيخ العضايلة، قال فيه بوضوح شارحاً بأن حزبه والشارع الأردني يريدان التوثق من موقف السلطات إزاء نشاط له علاقة بالمولد النبوي الشريف، ملمحاً لا بل مصرحاً بكل الدلالات السياسية.
وذلك على أساس مذكرة قدمت للحكومة لكي يعرف الشعب الأردني، كما قال العضايلة بوضوح وعلناً ولأغراض النشر، الفارق بين موقف سلطات إدارية تسمح بترخيص حفلات فنية، وموقف السلطات نفسها من ترخيص احتفالية دينية الطابع ولها علاقة بالرسول صلى الله عليه وسلم في بلد إسلامي وشعبه مسلم وهويته لا تقبل القسمة على اثنين، كما شرح العضايلة بالتفصيل. وإذا كان حزب جبهة العمل الإسلامي خطط فعلاً وبخبث سياسي لرسالة من هذا النوع تحرج الحكومة الأردنية، فما تقوله ضمنياً قرارات وكتب رسمية تابعة للحكام الإداريين وتوضيحات صدرت عن وزارة الداخلية هو أن هذا الإحراج حصل فعلاً، إلا إذا كان المقصود الإيحاء بأن الكمين السياسي الذي وضعه أكبر أحزاب المعارضة كان لا بد من تنبيه الرأي العام حوله، علماً بأن خيارات بيروقراطية متعددة كانت متاحة للتعامل مع مأزق احتفال المولد النبوي الشريف بالتوازي مع سلسلة طويلة من الاحتفالات الفنية التي سمح بها وأثارت الجدل دون أن تقبل الحكومة ولا السلطات توجيه اتهامات لها.
في مقاربة الشيخ العضايلة، أيضاً ومجدداً أمام «القدس العربي» كانت الرسالة السياسية تريد أن تختبر اتجاهاً رسمياً نحو فرصة التيار العلماني وفرصة وجود مؤشرات على العبث بهوية الأردنيين الوطنية والدينية والاجتماعية، وهي مسألة تشكل خطاً أحمر بقياسات الإسلاميين وغيرهم في أوساط المجتمع التقليدي، بدلالة أن الاعتراض على خطوة منع إقامة الاحتفال بمناسبة ذكرى المولد النبوي شمل أفقياً العديد من التيارات الحزبية والاجتماعية بعيداً عن اللون الإسلامي حصرياً.
وثمة مفارقات بالجملة لا بد من الانتباه لها، فحزب جبهة العمل الإسلامي كان خارجاً للتو من المشاركة الموسعة والمنهجية بفعاليات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، وأطلق بالون الاختبار المتعلق بذكرى المولد النبوي والاحتفال المشار إليه مباشرة بعد هذه المشاركة وبعد رصد العديد من السلوكيات البيروقراطية التي يقول الإسلاميون اليوم إنها تحاول العبث بالهوية الدينية والوطنية للشعب الأردني.
ما حصل يحتاج إلى قراءة أعمق من الطرفين، فلا الحكومة معنية بمناكفة الإسلاميين في هذه المرحلة الصعبة اقتصادياً وإقليمياً وسياسياً، ولا التيار الإسلامي من جهة أو غيره من الأحزاب السياسية في حالة يسمح لها بالاسترسال بوضع كمائن سياسية. وما حصل أن حزب جبهة العمل الإسلامي تقدم فعلاً بمذكرة إلى وزارة السياحة يطالب فيها بتخصيص المدرج الروماني لاحتفاله الذي منع بقرار من الحاكم الإداري.
وهو حقاً خيار غريب عملياً، إلا إذا كان القصد منه ما تتحدث عنه بيانات وزارة الداخلية من دلالات سياسية، وهي تهمة لا ينفيها الإسلاميون، لكنها تثبت بأن اختبارهم حقق الهدف منه، فوزارة الداخلية اعتبرت أن خطوة من هذا النوع لم تكن مسبوقة، وأن وزارة الداخلية هي الجهة صاحبة الاختصاص وليس وزارة السياحة، وأن جميع مساجد الأردن ومؤسساتها احتفلت بذكرى المولد النبوي الشريف، وبالتالي تم رفض الاقتراح الذي طالب به الإسلاميون. وهو اقتراح وضع أصلاً لكي يرفض من الناحية السياسية. وذلك لا يعيب، في حال من الأحوال، حزباً معارضاً ووطنياً يريد أو يقول اليوم بأن هوية البلاد في خطر أو في وضع مقلق أو مستهدف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق