اراء و مقالات

الأردن: ذريعة «المرحلة صعبة وعمر مجلس النواب قصير» تتصدر… والسؤال المحرج: لماذا؟

هل انضم الرزاز إلى نادي «الغاضبين»؟

«المرحلة صعبة.. المجلس الجديد سيتخذ قرارات غير شعبية.. لا بد من ادخار بعض الرموز وإبعادهم عن المشهد الآن.
تلك عبارة أبلغ العديد من أعضاء البرلمان الأردني والمرشحين للانتخابات الأخيرة «القدس العربي» بأنهم سمعوها على نحو أو آخر من مسؤولين في المستوى الحكومي، وأحياناً في هيئة الانتخابات، على هامش المواجهات الانتخابية بصنفيها، وهما: الأول الذي انتهى بتشكيل مجلس النواب الحالي، والثاني الذي حسم مواقع الصف الأول في المجلس بعد انعقاده دستورياً، كما سيحصل خلال الأيام القلية المقبلة مع تركيبة إدارة اللجان الأساسية للتشريع والرقابة.
ليس سراً أن هذه الإرشادات سمعت من قبل وزيرين على الأقل في الحكومة. وليس سراً أنها قيلت خلف الستارة لمرشحين إما أخفقوا في الترشح للانتخابات أصلا أو بحثوا عن تبرير عبر التواصل مع دوائر المسؤولية عن أسباب خسارتهم للانتخابات. المرجح أيضاً أنه لم يعد سراً في صالونات ونخب عمان القول بأن عملية الهندسة التي طالت في وجبتها الأخيرة تركيبة حكومة البرلمان والمكتب الدائم انطوت على عبارات «تخديرية» من هذا النوع، مرة تزعم أن المرحلة معقدة وستكون سمعة المجلس الشعبية سيئة، ومرات طرحت تحت سياق يتحدث عن إرادة ورغبة في التغيير الحقيقي ليس في البعد البرامجي لمؤسسة البرلمان، ولكن في الوجوه والرموز، الأمر الذي كان مثاراً لنقاش ذهني تفصيلي بين «القدس العربي» ورئيس مجلس النواب الجديد عبد المنعم العودات.

هل انضم الرزاز إلى نادي «الغاضبين»؟

العودات تحدث مباشرة عن إرادة التغيير وعن السعي لعمل مؤسسي يخفف من حدة التشنجات الفردية ويحافظ على سمعة مجلس النواب، مؤكداً قبل انتخابات رئاسة المجلس على هذه المضامين، ومصراً عليها بعدما انتخب رئيساً للمجلس في إطلالتين إعلاميتين على الأقل. لكن الأهم سياسياً وإعلامياً أن تلك الرسائل الملغزة على شكل نصيحة أو ثناء أو اقتراح قد لا تشكل حجة مقنعة لعشرات المرشحين الذين لم يحالفهم الحظ ليس في المعارضة فقط ممثلة بالإخوان المسلمين أو غيرهم، ولكن أيضاً في أجنحة وتيارات الموالاة، حيث قيل في التبرير بيروقراطياً وحكومياً لمرشحين ضربت فرصتهم مسارات الهندسة الانتخابية أحياناً بأن أبناء عشائرهم خذلوهم. وقيل لهم أحياناً أخرى بأن المرحلة معقدة والمجلس الجديد سيتخذ قرارات صعبة، كما قيل لبعضهم بأن عمر المجلس قصير وقد لا يزيد عن عام واحد ضمن سلسلة المقولات المعلبة المرتبطة دوماً بالأهداف التخديرية، التي لا تساعد الدولة إطلاقاً في توفير فائض من المناصب والوظائف والأدوار للمستائين أو الغاضبين من أولادها.
سبق لخبير سياسي من وزن طاهر المصري، أن حذر رئيس الوزراء الأسبق عمر الرزاز على إفطار شهير عند أزمة المعلمين، حضره وزير الداخلية الأسبق سمير الحباشنة، من أن عدد الغاضبين يزيد في المجتمع، وأن على الحكومة أن تفعل شيئاً للاحتواء وتوقف التأزيم في مسألة نقابة المعلمين.
أقيلت حكومة الرزاز، ويحتفظ المصري – كما فهمت «القدس العربي» منه حديثاً – بنفس النصيحة لسلفه الدكتور بشر الخصاونة، فيما يلفت النظر مشهد ينتمي للفانتازيا السياسية؛ حيث انضم الرزاز نفسه على الأرجح لقائمة الغاضبين ودون أسباب واضحة، وغادر البلاد إلى الولايات المتحدة دون أدنى تعليق يرد فيه على القائلين بقراره بالهجرة، فيما انشغلت المنصات التواصلية بتصريح غير موثق لنائبه الدكتور رجائي المعشر يشير إلى أن الرزاز قد لا يعود. وبكل حال، الغاضبون تزايدوا بعد الانتخابات، ويتربصون بكل رموز المرحلة البرلمانية الحالية. ووسط الشكوك العامة بشرعية العملية الانتخابية، يصبح عدد كبير من المرشحين في موقع إشغال السلطة والحكومة بضرورة تدبير موقع له، الأمر الذي استدعى على الأرجح تمرير معلبات التخدير بعبارات قيلت هنا أو هناك لأفراد بعد الانتخابات الأخيرة دون أن يشرح قائلها التفاصيل ودون أن يصدقها من سمعها.
يحصل ذلك دوماً في الحالة المحلية الأردنية، لكنه زاد من حيث جرعاته بعد الانتخابات الأخيرة وتحت عنوان التطوير والتجديد وتبديل الوجوه، وبصورة بدأت بالنتيجة تثير انتباه كل المجسات الراصدة والشغوفة بجمع أي عينة تفسر الأمور سلباً وتترك الإيجابيات، وهو ما يؤدي إلى ظلم الحكومة الحالية برئاسة الخصاونة على سبيل المثال.
الأهم أن العبارات التخديرية، وفي حال الشطط في التحليل والاستنتاج، يتداولها الجميع اليوم في الوسط النخبوي كرسائل ملغزة، حيث لا تفسير مركزي لكثير من الظواهر والتحولات، وحيث بدأ بعض الخبراء همساً يحاولون تفسير المناولات والإزاحات التي حصلت، وتبرير الأخطاء التي رافقتها ضمن منطق أبسط وبدائي يقول بأن ظروف واعتبارات «ولادة دولة فلسطينية» مستقلة زادت مؤخراً، وبأن مجسات الدولة العميقة في الأردن لديها علم، وبالنتيجة تصبح الهندسة التي ينتقدها الجميع بعد وجبة الانتخابات المثيرة متنقلة من مستوى اللغز الذي يحتاج إلى تفكيك إلى مستوى مبادرة واعية متقدمة ومبرمجة تحت عنوان الاستدراك والاستباق لتحول درامي في القضية الفلسطينية استوجب ترتيب الأوراق الداخلية في الأردن، بما فيها الاجتماعية والديمغرافية، والأكثر حساسية التمثيلية في المؤسسات ومحاصاصاتها.
ذلك طبعاً مجرد سيناريو، والاعتقاد به لا يعني بالضرورة أنه صحيح، هذا أولاً. وثانياً، أن نتائجه مثمرة وطنياً حتى بمقياس المصالح العميقة للدولة الأردنية.. وتلك مسألة أخرى تماماً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق