اراء و مقالاتمقالات وآراء

الأردن: رسائل «ملتبسة» بين الأمني والسياسي مجدداً… وازدحام «قد يعيق الحركة»

البداية بالمداهمات الضريبية مروراً بتحقيقات الفساد وانتهاء بعودة الاعتقالات

 

 

كما يحصل في المربع الحزبي .. الزحام في الأجندة الأمنية وتعدد المرجعيات البيروقراطية والحكومية يعيق الحركة في بلد مثل الأردن، تحت سقف توقيت مغرق في الحساسية وفوضى ملفات في الإقليم.
لا أحد على الأقل في الحالة النخبوية والإعلامية والسياسية حتى اللحظة يستطيع تقديم تبرير مقنع ليس لمضمون، ولكن لشكل المداهمات الضريبية الأمني التي تثير الجدل هنا وهناك. ومؤخراً فقط، بدا أن منظومة القرار الرسمي تستدعي وتوقف، وأحياناً تعتقل، وأخرى تُخضع للمحاكمة والتحقيق شخصيات هنا أو هناك في سياق رسائل أمنية، خشنة أحياناً، وإلى جانبها أخرى ناعمة في بعض الأحيان، ودون اتجاه هيكلي واضح.
كان الخطاب المرجعي دوماً في الحالة الأردنية عندما يتعلق الأمر بالإصلاح السياسي وكلفة التأخر به يؤشر إلى أن الازدحام في الشارع الحزبي تحديداً يعيق النمو في الشارع، حيث أحزاب رخصت وتكاثرت كالفطر وبدون وجود ثقافة حزبية حقيقية، لا في الدولة ولا حتى في المجتمع.
يبدو أن ازدحاماً مماثلاً يفرض نفسه ويثير التساؤلات في المرحلة التي أعقبت المواجهة الصلبة والتي نجحت تماماً فيها الدولة ضد فيروس كورونا الشهير.
ويبدو في المقابل أن تداعيات كورونا فرضت إيقاعاً أمنياً أو ذهنية أمنية في بعض التفصيلات، الأمر الذي يرحب به الجميع بطبيعة الحال بعد بروز خبرات متباينة في الساحة، ولا يمكن معارضته وطنياً ما دام يعزز القناعة بالقيمة الاستراتيجية العميقة للاستقرار الداخلي والأمني في مواجهة خطرين أساسيين، هما تداعيات وتأثيرات المعركة مع كورونا، ومشروع الضم الإسرائيلي.

هنا، وفي السياق البيروقراطي نفسه، لا يؤسس رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز لأي حالة اشتباك تبريرية أو تفسيرية أو حتى توضيحية للجملة الأمنية البيروقراطية، فالحكومة لا تعلق على الأحداث ولا تشرحها على مستوى رئيس الوزراء، والشارع يترك إزاء بعض الحالات والحوادث نهباً للرواية الأخرى التي يتطوع اليوم في تقديمها إطار بائس يسجل في الخارج فيديوهات، منتحلاً صفة المعارضة الخارجية.
وعادت ظاهرة توقيف الإعلاميين والصحافيين تحت إطار الجرائم الإلكترونية، وفقاً لما لاحظه الناشط الحقوق الإعلامي نضال منصور، معبراً عن القلق. كما عادت ظاهرة التوقيف الأمني لشخصيات في المعارضة أو لشخصيات صمتت عليها الحكومة، عندما رفعت السقف بالماضي ولسنوات.
ويبرز هنا اعتقال البرلماني السابق سليم البطاينة، ثم الإفراج عنه بعد التحقيق معه بتهمة تقويض الدولة، ثم لاحقاً اعتقال المعارض الدكتور أحمد عويدي العبادي بعد بيانات متشددة صدرت عنه أو تردد أنه صاغها وكتبها، وإن كان أقرباء له ينفون ذلك.
ولاحقاً، برزت حادثة توقيف الأمين العام لثاني أكبر أحزاب المعارضة، وهو حزب الوحدة الشعبية الذي أوقف قطبه المؤسس الدكتور سعيد ذياب، بعد منشور قدرت السلطات الأمنية بأنه يتجاوز السقف. وقبل ذلك، حذر بيان صدر عن جبهة العمل الإسلامي، من عودة ظاهرة التوقيفات والاعتقالات. والغامض في المسألة اليوم أن الحكومة تمتنع عن التعليق على تلك المعطيات. وقبل ذلك أيضاً، دخلت أزمة نقابة المعلمين في سياق التصعيد البيروقراطي، فبعد القسم الشهير لنائب نقيب المعلمين ناصر النواصرة، صرح وزير الداخلية القوي سلامة حماد بأن هيبة الدولة والقانون لا تخضع للمساومة، وبأن تكرار المخالفات سيؤدي إلى اتخاذ إجراءات.
يبدو أن سياسية «التخشين الأمني» في ظل تفعيل وبقاء تفعيل قانون الدفاع، أصبح مسألة مثيرة للنقاش والجدال، بالتوازي مع انسياب مخاوف قطاع الأعمال والنشاط الاقتصادي جراء التشدد النسبي، وبالتوازي مع قانون الدفاع الذي أصبح مثاراً للجدل بحد ذاته بعد تجاوز المرحلة الأساسية من امتحان فيروس كورونا، ورغم أن توجيهات ملكية صريحة ربطت إنفاذ قانون الدفاع بالحد الأدنى ودون مساس بحريات الأردنيين.
وتبرز في التفاصيل والحيثيات محطات الحيرة والتساؤل الناتجة عن مجمل تحقيقات المال والضريبة والعطاءات الحكومية تحت عنوان حملة على الفساد، حيث اعتبارات أمنية ليس من السهل مطالبة الجهات الأمنية بهندستها ما دامت هيبة القانون هي الأساس.
وبوضوح شديد، يمكن القول بأن السياسي في الحالة اليوم يتراجع لصالح الأمني. وهو أمر قد لا يلحق ضرراً كبيراً إذا ما تم ضبطه على إيقاع مرسوم لا ينتهي بتراجعات حادة في مستوى حريات التعبير والرأي، أو إذا انتهى بتنشيط اقتصادي واستثماري حقيقي يعفي المعادلة الوطنية من انحدارات اقتصادية أو تجارية يتوقعها الجميع وحذر منها مراراً، عبر «القدس العربي»، البرلماني المختص بالملف الاقتصادي الدكتور خير أبو صعليك، الذي عاد مجدداً للمطالبة باستجابة حكومية للرؤية الملكية النشطة في الحراك الصناعي والاقتصادي، تزيل المعيقات البيروقراطية المتكلسة على أساس مقولته السابقة في هدم معبد تلك المعيقات.
التحفز الأمني مظهر واضح في الأردن اليوم، والجدل الذي يثيره خصوصاً في أوساط دعاة الهدوء والتسكين، لا يمكن إنكاره.و ثمة مؤشرات على زحام محتمل، وأخرى على خبرات تشتبك في الميدان، والمطلوب قد يكون -إلى جانب مصفوفات الرزاز المتنوعة- مصفوفة منظمة على الأقل في المربع الأمني أكثر وضوحاً وأقل خشونة وإنتاجاً للتشنج، وفيها رسائل أوضح من أن لا يراها الجميع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق