اراء و مقالاتمقالات وآراء

الأردن: سهرات مزارع وأعراس وملاعب ومشاجرات في «زمن كورونا»

المقارنة بين خياري «ردع» الناس بالتشدد أو «تخفيف الحظر» لتحريك الإنتاج

 

تبدو الفرصة مواتية مجدداً في تفصيلات الاشتباك الأردني مع فيروس كورونا وتداعياته للتشدد مرة أخرى في تطبيق سياسات الحظر والعزل الاجتماعي بعد مواجهة السلطة لسلسلة اختبارات لها علاقة بـ»سلبية الالتزام» الشعبي.
المقايسة في الحالة الوطنية سياسياً حرجة للغاية طوال الوقت على صعيد النقاش النخبوي. وتحصل بين سيناريوهين لكليهما كلفته العملية. وعلى أساس أن «ردع» المغامرات الاجتماعية عبر العودة لآلية الحظر الشامل وتقليص فترة السماح الجزئية لأغراض معيشية قد يضع الجميع في ظل التحديات البيروقراطية والواقعية في سياق توقع احتمالات يعتبرها المراقبون أساسية تحت عنوان «التمرد الاجتماعي»، خصوصاً وأن قطاعات وشرائح واسعة جداً في البلاد لا تزال تعتمد في معيشتها على رواتب القطاع الخاص التي لم تدفع في جزء كبير منها حتى الآن وعلى الدخول المهنية.

عمال المياومات لا يعملون للأسبوع الثالث على التوالي.. كذلك أصحاب المهن اليومية والعاملون في المحلات التجارية الصغيرة والفنادق والمطاعم والمقاهي، والعديد من القطاعات الصناعية والتجارية. لذلك، صدرت توجيهات ملكية باسم «دراسة تحريك ما يمكن من فعاليات الإنتاج». لكن التحريك له محاذير برأي الخبراء، وتتعامل معه بدقة وتحفظ لجنة الأوبئة الوطنية التي تسيطر على التوصيات وتشتبك مع فيروس كورونا في الميدان بصفة دائمة.
بالتوازي، تتصدر سلوكيات اجتماعية تضغط فعلاً على الأعصاب الحيوية لمن يديرون المواجهة في الدولة، حيث تصاريح تم التلاعب بها، ومحاولات احتكار، وأعراس أقيمت، ومشاجرات حصلت، وحالات إنكار وإخفاء للأصابة بالفيروس، وتمرد على قوانين الحظر، وشبان يلعبون في الحدائق، وسهارى سريون في المزارع. كل تلك المظاهر يتصدى لها الأمن، لكنها بدأت ترهق الجميع وتستفز السلطات وتضغط على جهاز الوقاية الصحي، وسط القناعة التامة بأن الفيروس بنسخته الأردنية في أغلبه مستورد وليس مستوطناً، وينتج عن التخالط بصورة أساسية وإحصائية.
بمعنى آخر، توسيع الحظر وشموليته، كما لوح الناطق الرسمي باسم الحكومة وزير الإعلام أمجد عضايلة، له محاذير وكلفة ومن الصعب الاستمرار فيه في ظل تعطل الإنتاج أفقياً حتى الوقت الراهن، وقبل تطبيق خطة التحريك التي يرى الخبير الاقتصادي والوزير الأسبق الدكتور محمد الحلايقة أنها اليوم «أساسية ومهمة جداً» وضمن معطيات الاشتباك مع آثار الفيروس والحالة الإقليمية والدولية.
لكن التراخي في سياسات العزل ينتج عنه مخاطر أيضاً لها علاقة بالسلوك الاجتماعي العام وصعوبة تثقيف الجمهور وإقناع المواطنين بسياسات التباعد الاجتماعي وتجميد ثقافة التواصل والخروج والاشتباك المألوف والقديم.
هنا بدأت لجنة الأوبئة الوطنية نفسها تواجه تعقيدات بسبب ظهور حالات فارقة من «التمرد الفردي» على التعليمات وبصورة تربك أو تعيق أو تجعل مهمة الاستقصاء الوبائي معقدة، ما دفع الناطق باسم اللجنة الطبيب نذير عبيدات، لتكرار مناشدته المواطنين إظهار جدية أكبر في مسألة الالتزام تجنباً لإعاقة جهود الإحاطة بالفيروس. على مستوى أبعد من القرار المركزي، وفي مركز الأزمات الوطني، تتعالى تلك الأصوات المسؤولة التي تتحمس لـ»إلزام الجمهور» وبقاء سياسات العزل والتشدد بالعقاب القانوني، حرصاً على الصحة العامة؛ لأن القطاع الصحي بجناحيه المدني والعسكري لا يريد الوصول إلى حالة تشكل تهديداً فعلياً لعمليات الوقاية والعلاج في مواجهة الفيروس. ومقابل تلك الأصوات، تضج اليوم الساحة بأصوات تحذر من تبعات اقتصادية صعبة وأكثر خطورة من الفيروس في حال استمرار سياسات الإغلاق الاجتماعي والعزل والتشدد في تطبيقات أوامر الحظر والتنقل والحصول على التصاريح. وهي أصوات سلسلة كبيرة من المختصين الاقتصاديين ورموز القطاعات الإنتاجية والقطاع الخاص.
بهذا المعنى، تبحث غرفة القرار العميق عن «معادلة» تحقق الهدفين معاً، بمعنى تحرك ولو نسبياً عجلة الإنتاج، وتخفض -حسب الحلايقة- خسائر القطاع الخاص ولا تعيق الإنجاز الفني الطبي الذي تقوم به لجنة الأوبئة الوطنية في الوقت ذاته. وتلك مهمة أصبحت معقدة فعلاً؛ لأن الخسائر والمجازفات موجودة في كل الخيارات، ما يمهد الأرضية لبقاء سياسات العزل والتباعد والحظر والتخفيف منها بالقطعة وعلى نطاق جغرافي مدروس بعناية وضمن «خط وطني» شامل ودقيق يأخذ بالاعتبار كل المصالح ولجميع أطراف المجتمع ومعادلة الإنتاج والدولة، حسب ما فهمته «القدس العربي» على هامش مناقشة مع رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي.
الرفاعي ومعه كل النخب العاقلة والمتزنة والخبيرة، في حالة دعم للدولة واتجاهاتها دون التفريط بالمنجز المؤسسي أمنياً وعسكرياً وصحياً وحكومياً، وقبل الجميع «ملكياً».
لكن لا يبدو أن في الأفق ملامح للمعادلة الأفضل؛ لأن مسألة العلاقة بين العزل والتشدد والإنتاج قضية تشغل العالم هذه الأيام، وأصبحت بمثابة التحدي الأكبر الذي فرضه فيروس كورونا على جميع الدول.
ولا خيار هنا أمام الدولة الأردنية إلا «تجريب» بعض البروتوكولات، كما يقول رئيس الوزراء، وبقاء مستوى التنسيق في أعلى الدرجات، والعمل بين عدة سيناريوهات على قاعدة الحد من الخسائر بالتلازم مع إنقاذ الأرواح، حسب المقترح الشهير للخبير الاقتصادي البارز طلال أبو غزالة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق