اراء و مقالات

الأردن: صفقتان بحجم «عائلي» مع «الإخوان» و«الدولة العميقة» واستجابة «نسائية» للبنك الدولي

«المخفي» في ترتيبات «المنظومة» في المملكة الهاشمية

عمان – «القدس العربي» : تبدو صفقة سياسية أعمق بامتياز مما تبدو وتنطوي على دلالات وترميزات من الصنف الذي قد لا يلتقطه إلا الخبراء. بضعة تغييرات جوهرية في المشهد الدستوري والسياسي والديمقراطي المحلي الأردني يمكن تلمسها عندما يتعلق الأمر بما وراء النصوص والتعديلات، وكذلك الخلفيات على هامش مشروع تحديث المنظومة السياسية الملكي والذي بدأ بتجاذبات واستحقاقات حادة قبل أكثر من شهرين، لكنه انتهى فيما يبدو بتوافقات مثيرة للاهتمام بين أركان الدولة، وفقاً للتعبير الذي استخدمه عضو اللجنة المسيس جميل النمري.
يمكن ببساطة اشتمام رائحة صفقتين كبيرتين على الأقل وبحجم سياسي عائلي مع سلسلة من الصفقات والترتيبات الأصغر في اتجاه عدة ملفات. بالمعنى السياسي المباشر، قد تكون الصفقة المتعلقة بقوى الشارع هي تلك التي أنجزت مع الحركة الإسلامية التي لاحظ الجميع أنها لم تتحفظ في الاجتماع الأخير للهيئة العامة الممثلة للجنة الملكية على أي من البنود المرتبطة بسقف الإصلاح السياسي، وتحديداً في مجالين حيويين هما قانونا الانتخاب والأحزاب.

«المخفي» في ترتيبات «المنظومة» في المملكة الهاشمية

كتم الإسلاميون مشاعرهم الشخصية بكفاءة تنظيمية تحسب لهم، وشاركوا في عملية احتواء باسم الغطاء الملكي ومؤسسة القصر هذه المرة، وليس باسم الحكومة أو السلطات التنفيذية الأخرى، وتوفرت مساحة مشتركة مع رئيس اللجنة سمير الرفاعي لمغادرة الاستعصاء والتأزيم وغياب الحوار مع الإخوان المسلمين. وأغلب التقديرات السياسية بعد التصويت على صياغة مقترحات اللجنة الملكية لم يعد سراً أنها تشير إلى أن التيار الإسلامي جمع عدة مكاسب، وقد يكون من الأطراف الأكثر كسباً عند الاشتباك مع الانتخابات المقبلة.
قد لا تكون تلك الصفقة مكتوبة أو متفقاً عليها شفوياً حتى، لكن يمكن تتبع آثارها من خلال ما قاله مبكراً العضو البارز في اللجنة لـ «القدس العربي» خالد البكار في وقت مبكر حول ضرورة وطنية لمغادرة منطقة الفوبيا من الإسلام السياسي وتأخير الإصلاحات برمتها على أساس عقدة الخوف من الإخوان المسلمين.
أحد خبثاء المعلقين لاحظ كيف تبدلت لهجة بعض المسؤولين خلال مداولات العصف الذهني بخصوص عقدة التحذير من الإسلاميين، فوزير التنمية السياسية النشط والديناميكي اليساري موسى المعايطة، خصم في الأيديولوجيا والموقف، عنيد وقديم للإسلاميين، لكن تمريراته ومشاركاته في لجنة المنظومة عند أي عرض لفكرة الإخوان المسلمين كانت تركز على ضرورة أن تعمل بقية التيارات والأحزاب. «اللهجة» حتى عند بعض المحسوبين على الدولة العميقة في الأردن تبدلت بخصوص عقدة الإخوان المسلمين.
واللهجة، في المقابل، عند بعض قادة ورموز الحركة الإسلامية، تبدلت أيضاً في اتجاه حماسة لم يفهمها كثيرون للمشاركة في لجنة المنظومة أولاً، ومساندة تنظيمية كبيرة لتلك اللجنة ثانياً، وأيضاً في اتجاه عدم إظهار أي تحفظ أو إطلاق أي عبارة يمكن أن تلاحظ على توصيات تلك المنظومة وسط إفصاح عضو اللجنة وائل السقا، لأكثر من زميل، بأن تياره تقدم بملاحظات واحترمت.
الانطباع قوي بأن الإسلاميين في طريقهم للاندماج والشراكة، لكنه انطباع مستعجل قليلاً، فالمواجهة قديمة وقد تكون متكلسة وصلبة ولها مبررات ومسوغات قوية بين أولويات الحركة الإسلامية والاجنحة المتحكمة فيها، وبين أصحاب الرأي المرتاب بالإسلاميين في الدولة العميقة.
والفارق واضح ما بين الإصرار على التعامل مع ملف الإخوان المسلمين باعتباره مسألة أمنية فقط، وبين نكهة جديدة تبرز تنقل هذا الملف إلى مستوى الاشتباك السياسي والتمرير وتبادل المنافع، وهو حصرياً ما حصل تحت هامش سقف لجنة المنظومة، حيث القناعة كبيرة حتى في أروقة القرار الرسمي بأن الانتقال إلى مرحلة البرلمان الحزبي ثم تعزيز دور الأحزاب مستقبلاً في الإدارة العامة، هما محطة من المكلف والمعقد الولوج إليهما دون «محاكاة ما» مع تيار الإخوان.
الاستجابة الإخوانية في المقابل، تنطوي على مغامرة ليس من السهل توقع نتائجها الآن، لكن ثمة صفقة بصورة مرجحة أو سيناريو تفاهمات قد يقود إلى صفقة لاحقاً.
والصفقة الثانية في عمق سلوك تدوير الزوايا مهمة للغاية أيضاً، فقد تم عزل بعض التشريعات الأساسية بموجب نص باقتراح تعديل دستوري عن سياق مراجعات وصلاحيات التشريع وتعديل القوانين، حيث اختيرت بالنص بعض التشريعات، وتقرر عبر اللجنة الملكية إضافة نوع من التحصين عليها؛ بمعنى عدم مناقشتها في برلمان المستقبل إلا بأغلبية الثلثين.
ليس صدفة أن حزمة التشريعات المحظوظة تلك قد تكون هي التشريعات التي توافق الدولة العميقة على عزلها، وتوفر صنفاً من الضمانات للدولة قبل الناس؛ بأن لا تنتهي مغامرة بعنوان أغلبية حزبية في البرلمان والحكومة مستقبلاً بالمساس بتلك المنظومة من التشريعات التي تعتبر أساسية للدولة. المعنى هنا واضح، فمن اقترح التعديلات الدستورية وفر ضمانات منهجية ومحترفة لعمق الدولة، مما يبقي صنوفاً من الإدارة العامة ومسارات التشريع بيد تجربة الأحزاب الجديدة التي ستحكم تنفيذياً مستقبلاً.
وعملياً، يعبر الموقف عما سبق أن ناقشته «القدس العربي» بتقارير خاصة لها بعنوان «ضمانات واحتياجات الدولة».
تلك أيضاً صفقة وطنية بامتياز تؤشر على التوازن، ويمكن أن تحسب لصالح الرفاعي ومن قاد جهدها خلف الستارة، خصوصاً أن الرفاعي أبلغ أعضاء اللجنة في الكواليس بأن التوجيهات الملكية أصرت على أن توضع نصوص في قانون الانتخاب تضمن زيادة نسبة وعدد مقاعد القوائم الحزبية الوطنية بالتدريج إلى محطتين على الأقل، هما نسبة الـ 50 % و65 % مع أن النسبة في البرلمان المقبل تقترب من 30 % .
وتلك أيضاً تفاهمات وترتيبات عميقة قد تكون منتجة وإن كان التوقف ضرورياً بالتوازي مع تطورين لافتين في سياق ملف تمكين المرأة، وهما دعم خيار وسيناريو يقضي بأن تشكل النساء نحو 25 % على الأقل من عدد أعضاء البرلمان المقبل، وبأن تتضمن التعديلات نصاً مباشراً في الدستور يضيف مفردة «الأردنيات» إلى جانب الأردنيين.
تلك أيضاً صفقة ثالثة خلف الحدث من النوع الذي لا ينضج فجأة أو دون سبب، فما يتردد طوال الوقت عن مسؤولي البنك الدولي والمجتمع الدولي يشير إلى أن واحدة من الملاحظات الأساسية الدائمة على الأردن هي تلك المعلقة بالتحدث عن «العدالة بين الجنسين» كبديل عن المساواة.
يبدو جلياً أن عمان اتجهت أكثر نحو المساواة استجابة لطلب دولي ملح هنا، مما يضع أعمال لجنة تحديث المنظومة، ولأول مرة تقريباً، في سياق ترتيبات وإن شاء بعض المراقبين صفقات أعمق ما يعتقد البعض وهي تخطط للمستقبل، وهذه المرة على أساس مصالح الدولة وليس الجمهور فقط.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق