اراء و مقالاتمقالات وآراء

الأردن: عطاء مقاولات «مسموم» يجر أرجل شخصيات بارزة… والتحقيقات مستمرة

بين العموش وشبيلات والهلسة… وآخرون في الطريق

لم يعد مجرد عطاء مقاولات فقط يخضع للتحقيق بين يدي سلطات العدالة وبموجب القانون. في الأردن عطاء له علاقة بطريق بين مدينتي عمان والسلط يتدحرج سياسياً قبل أي اعتبار آخر، وهو يشبك بطريقة عجيبة بين سلسلة كبيرة من الشخصيات العامة ويثير نقاشاً يتجاوز المخالفات التي تحدث عنها ديوان المحاسبة بداية ثم تحولت إلى قضية تدقق فيها لسنوات هيئة مكافحة الفساد قبل أن يستقر بين يدي سلطات القضاء العادل ويبدأ تحقيق النيابة.
الأهم أن أسماء كبيرة جداً من نجوم السياسة والوزراء وحتى بعض أقطاب المعارضة بدأت تخوض بنقاشات علنية وأمام الرأي العام ضمن سلسلة التفاعلات الحادة التي يثيرها عطاء اشتهر باسم مدينة السلط أو طريقها. لا حصر حتى الآن لعدد المداخلات التي نتجت عن قرار هيئة مكافحة الفساد تحويل ملف العطاء إلى التحقيق القضائي.

سجال

ولا حصر أيضاً لعدد الملفات التي أثارها العطاء المشار إليه ضمن سجالات من الواضح أنه لا حدود لها وبدأت تدخل في العديد من الزوايا المظلمة والمعتمة في مسألة الاشتباك بين النخب في البلاد. وبعيداً عن السياق القانوني ودون أي تدخل في ملف يخضع أصلاً للتحقيق القضائي، يمكن القول إن ذلك العطاء أصبح مادة حيوية ودسمة لكل أنماط التجاذب، ليس فقط بين العديد من الشخصيات من الطبقة رفيعة المستوى، ولكن أيضاً بين مراكز قوى ونفوذ متعددة.

بين العموش وشبيلات والهلسة… وآخرون في الطريق

السجال نفسه فتح الأفق أمام نقاشات لها علاقة بما يعرف بـ «أوامر التغيير» في عطاءات الحكومة، وببعض حيتان المقاولات، وبلائحة الأنظمة والقوانين التي تحكم بالعادة أنظمة العطاء، وعلاقتها بالمالية العامة. والشارع بدأ يطلع مباشرة على صراعات فنية لم تكن من النوع الذي يهتم به المواطن بالعادة.
في آخر محطة في هذا السياق، يمكن قراءة خطوة قطب بارز في المعارضة وهو المهندس ليث شبيلات، وهو يشتبك مع الحكومة علناً تحت عنوان العطاء المشار إليه نفسه. وهنا اشتباك نادر بالنسبة لمجسات الشارع له علاقة بحوار فني وهندسي لاذع هذه المرة بين وزارة الأشغال والشبيلات، ليس بصفته المعارضة أو السياسية، ولكن بصفته رئيساً لمجلس إدارة شركة استشارية هندسية ضخمة كانت تشرف على العطاء. ويبدو أن شبيلات الغائب عن المسرح في السياسة منذ سنوات اعتبر خطوة توقيف ممثل شركته الهندسية على ذمة التحقيق بذلك العطاء قبل أكثر من أسبوعين هي رسالة سياسية أيضاً تحاول، بدورها، إنتاج بعض الإحراج. ولم يكن الرأي العام يعلم بحيثيات المسألة في بعدها التحقيقي والفني أصلاً، لكن شبيلات هو من تطوع وكشف النقاط عن قرار بالحجز التحفظي على الشركة التي يديرها، وقال للحكومة علناً إنه سينتج عنه عدم دفع رواتب لنحو 200 موظف، وهي صيغة أشار إليها أيضاً أحد كبار الموظفين بعد مداهمة ضريبية لمكاتبه وهو يتحدث عن مبلغات درامية في خلاف ضريبي عادي ستؤدي إلى وجود ثلاثة آلاف موظف أردني على الرصيف بدون عمل بعد مداهمة شركته.
في كل حال، لم يكن من المناسب قانونياً ومهنياً الخوض علناً في تفاصيل هندسية وفنية محكومة بعقود مقاولات، الحكم فيها هو القضاء في حال الحصول مخالفات أو اعتداء على المال العام، والاحتكام فنياً وهندسياً هو السياق المعتاد في حال حصول أخطاء فنية، كما يقدر المهندس المتخصص والنقابي عبد الله غوشة. ولسبب ما، تم إيقاف أحد أكبر المهندسين في الشركة التي يديرها شبيلات ويملك حصة وفيرة من أسهمها.

«تدمير القطاع الهندسي»

لاحقاً، قرر شبيلات الاشتباك بمداخلة مصورة تتهم الحكومة بتدمير القطاع الهندسي واستهدافه وتوجه نقداً قاسياً لشخص وزير الأشغال المهندس فلاح العموش، عبر اتهامه بإحضار شاحنة صغيرة وإرسال كل ملفات العطاءات إلى التحقيق، في خطوات اعتبرها شبيلات تصدر عن الجهل، مع الإشارة إلى خسائر وكلفة هذا النمط من إدارة التحقيق في مقاولات كبيرة. وعلى نحو أو آخر، اتجه المعارض القطب إلى تسييس تعليقه على مسار الأحداث، مع أنه يمثل الشركة المشرفة استشارياً على مشروع كبير أثار الجدل.
هنا بوضوح، يمكن ملاحظة أن وزير الأشغال تجنب الرد على ملاحظات شبيلات بصفة شخصية، فيما صدر بيان عن منصة حكومية يرد على ما وصفه البيان بمغالطات رئيس مجلس إدارة الشركة الاستشارية، وهو شبيلات بكل حال. ويبدو أن الوزير العموش تجنب الرد الشخصي، وترك المهمة للحكومة التزاماً بمنطوق القوانين والتقاليد، وتجنباً لمخالفة معايير عقود المقاولات التي تمنع – حسب مختصين وخبراء – طرفي أي تعاقد بمقاولة من التحدث للعامة أو عبر الإعلام عن تفاصيل فنية ومالية، خصوصاً أن المشروع قيد الإنشاء ومنذ سنوات طويلة، ويثير الكثير من الجدل، ولم يتم تسليمه بعد مع أن عمره التعاقدي ليس أكثر من 900 يوم. وبكل حال، ثمة من يرى بأن الشبيلات وقع في كمين الاستدراج عندما قرر التحدث علناً وجماهيرياً عن مشروع يخضع للتحقيق وبتفاصيل فنية ومهنية لا ينبغي له أن يتحدث بها كطرف في عقد مقاولة.
بدأ مقربون من وزير الأشغال إعداد تصور حول مخالفات للقوانين ولشروط عقود المقاولات ارتكبها شبيلات فرضياً وهو يحاول الدفاع عن شركته.. طبعاً تلك مسألة يحددها الإطار القانوني، وإن كانت الجرعة الأكبر في خطاب شبيلات لا تعلق حصرياً بفنيات عطاءات المقاولات التي تستشار بها مؤسسته الهندسية بقدر ما حاول إلقاء الضوء على عبثية التشويه في ملف أوامر التغيير في العطاءات، وبقدر ما حاول التحذير من تداعيات وكلفة ونتائج تدمير القطاع الهندسي العملاق والكبير والإساءة إلى مكاتب التصميم والإشراف.
تلك مسائل في السياق الهندسي، ونقيب المهندسين أحمد سمارة الزعبي قدر من البداية بأن التحقيق مع واستدعاء ثم توقيف مهندسين مشرفين خطوة جديدة ومثيرة وسلبية على القطاع لا بد من تأملها. والأهم في السياق العام أن ذلك المشروع المثير للجدل ومن اللحظة التي قيل فيها في بيان رسمي إن العطاء أحيل إلى «شقيقي نائب في البرلمان»، بدأ الموضوع يساهم في جر أرجل العديد من الشخصيات البارزة، باعتبار أن التحقق قبل التحقيق القضائي من تفاصيل أوامر التغيير هو خطوة ضمن منهجية مكافحة الفساد يدعمها مكتب رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز.

«قلق للدولة والشارع»

بدايات ذلك العطاء الغريب الذي تحول الآن إلى عنصر قلق للدولة والشارع بعد أن عبر بثلاثة مراحل، لها علاقة بعدة رؤساء وزارات. ويبدو أن وزيراً سابقاً للأشغال يجهز دفوعاته إذا ما حاول المعنيون تحميله المسؤولية في الوقت الذي لم يعد سراً فيه بأن المشروع من حيث التنفيذ والذي لم يحسم أمر المخالفات فيه بعد أحيل أصلاً على شركة مقاولات كبيرة ضمن ملكية أشقاء لقطب برلماني كبير، في الوقت الذي دفع فيه لصالح التحقيق ووفر الغطاء مكتب الرزاز، وبالتنسيق مع هيئة مكافحة الفساد، وضمن معطيات قررها أصلاً قبل سنوات طويلة ديوان المحاسبة. وقد مثل فعلاً وزير الأشغال الأسبق، سامي هلسة، في الجلسة الأولى للمحكمة. ويعني ذلك عملياً بأن مؤسسات رسمية متعددة وكثيرة أصبح أداؤها قيد المراجعة طوال الصمت على حيثيات العطاء. وإن – وهذا الأهم – أسماء متعددة كبيرة دخلت في الاشتباك، وهي مسألة لا أحد يعلم بعد كيف ستنتهي وعلى أي أساس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق