اراء و مقالاتمقالات وآراء

الأردن: «فهلوة بيروقراطية»… و«إفتاء فيروسي»

كانت تجربة شخصية هذه المرة. تعلن محطة المملكة التي تعتبر «رسمية جدا وللغاية» ومرسومة على قدر «خلية الأزمة» في الخبر والمعلومة والدقة وحتى في الحوار والضيوف بأن على المسافر الأردني الذي قرر العودة للوطن «إجراء فحص كورونا قبل خمسة أيام من رحلة العودة».
فجأة تشتغل منصات التواصل ويصاب كل أردني سافر أو يتواجد خارج البلاد لأي سبب بالإحباط جراء نشر المعلومة الجديدة التي أربكت مئات إن لم يكن آلاف العائلات.
الإجراء لا يبدو منطقيا إطلاقا ولا معنى له ولا أحد يعرف على أي أساس صدر.
نتواصل ـ أنا وأصدقاء ـ مع وزير الصحة للاستفسار فيتحدث الرجل بعلم ومهنية عن إجراء تقرر لـ«تخفيف معاناة الأردنيين في الخارج» عبر آلية جديدة تمدد السقف الزمني الذي يسمح فيه بإجراء الفحص لأغراض السفر والعودة مؤكدا بأن الجراء يتحدث عن إجراء الفحص»في غضون خمسة أيام» وليس «قبل خمسة أيام».
فهمت شخصيا من وزير الصحة بأن الأفضل للمواطن وللوزارة هو إجراء الفحص في أقرب مسافة زمنية من العودة وبدا كلام الرجل منطقيا وعلميا للغاية.
حتى وزارة الصحة لم تكن تعلم على من استندت محطة المملكة في معلومتها التي كانت مشوشة.
الأغرب هو ما يلي: اتصل رفيق بطرف حكومي في خلية الأزمة فكان الايضاح يتحدث عن «ضرورة إجراء الفحص قبل 120 ساعة» من موعد الرحلة… بمعنى رواية مناقضة تماما لما شرحه وزير الصحة.
بعد شد وجذب وحيرة تبين بأن الجهة التي تمارس «الإفتاء الفيروسي» هي سلطة الطيران المدني التي وضعت «سلسلة تعليمات» معقدة أمام شركات الطيران الأجنبية.
شخصيا لا أعلم ما إذا كانت هيئة الطيران متصلة بوزير الصحة أو بخلية الأزمة أو بمركز الأزمات ام أنها جزيرة مستقلة تعمل منفردة فقد أبلغت موظفة طيران تركية قريبا لي في إسطنبول بأن الاشتراطات التي ترهق المسافر الأردني وتزيد في التطلب والكلف المالية ليست صادرة لا عن الحكومة التركية ولا عن شركات الطيران بل عن سلطات الطيران الأردنية.
الفارق كبير بين «إجراء الفحص قبل خمسة أيام من السفر» وبين «إجرائه خلال أو أثناء خمسة أيام». تلك نصوص يفسرها موظفون أردنيون مبعثرون هنا وهناك كل على مزاجه، ومن يدفع ثمن الإرباكات هو المواطن الأردني في الكثير من الأحيان.
تصر موظفة حجز الرحلة على الإطِّلاع على «كود خاص» بدفع كلفة فحص جديد للفيروس في عمان مرفقا بشهادة خلو من المرض تركية مع رؤية تطبيق «أمان» الأردني على الهاتف… يسألها قريبي: زملاؤك للتو على الحاجز قرأوا كل شيء؟ تجيب الموظفة: لا أعلم بلادكم تطلب منا تفحص الشروط ثلاث مرات رغم أني لا اقرأ اللغة العربية.

الارتجال مستقر والعشوائية والتسرع الإداري على قيد الحياة، والتعليمات فيها غموض والجهات التي تقرر بحجة السيطرة على الوباء متعددة وتتزاحم ومن المرجح أن التزاحم هنا يعطل الجميع ويؤدي إلى التشكيك بالجميع

يسأل جميع الأردنيين القادمين من الخارج: نفهم ونتفهم الإصرار على إجراء فحص الفيروس موثقا في مطار عمان وقبل دخول البلاد، لماذا الإصرار على إجراء فحص قبل السفر من البلاد الأخرى ما دام المسافر الأردني سيجري فحصا جديدا حتما بتكلفة تصل إلى أكثر من 60 دولارا؟.
تلك نقطة تبدو محيرة أيضا إلا إذا كانت سلطة الطيران المدني أو غيرها «مهتمة جدا» بتشغيل وتمويل تلك المختبرات الطبية الأجنبية في الخارج مجانا على حساب الأردنيين.
يفترض بشركات الطيران أن تشترط فحصا قبل السفر على متنها وليس من واجب الحكومة الأردنية تأمين مبالغ سيدفعها المواطن الأردني لمختبرات خارجية طبية بدون مبرر ما دام على سفر وسيدفع قسرا كلفة فحص كورونا أردني في مطار عمان.
بصدق لا أفهم هذا الحرص الكبير على أن يدفع المواطن الأردني بمبرر أو بدونه لدول أخرى فقد تعودنا على حرص مماثل ينتهي باستفادة الخزينة الأردنية وليس خزائن الدول الأخرى التي تشهد تسيير رحلات جوية مسموح بها.
شخصيا استفسرت وسألت عشرات المرات ولم أجد رأيا علميا واحدا يشرح لي مكاسب وفوائد الإصرار على إجراء فحص خارجي عشية ليلة السفر بوقت قريب من الرحلة ما دام المسافر سيخضع لفحص أردني.
يسمى ذلك «تزيدا» وهو أقرب للتطرف البيروقراطي الذي يظهر أحيانا عدم وجود «غرفة قرار واضحة» وموحدة وبالتالي عدم صدور تعليمات واضحة أحيانا وفيها قدر كبير من المرونة المحبطة مع تعدد المرجعيات وصديقنا الدائم وإسمه «الارتجال».
المطلوب وقف «الفهلوة» في خلايا البيروقراطية والإجراء عندما يتقرر ينبغي أن يشرح نفسه ولا يثير أي تساؤل، فالأردني المواطن أصلا يدفع أكثر مما ينبغي للضرائب والرسوم لا بل ينفق هو على الدولة والحكومة في بلد بلا موارد نفطية وغير معقول تطور الأمر باتجاه إجبار الأردنيين على الدفع ايضا للحكومات الأخرى.
بصراحة فيما يتعلق بالمعركة مع الفيروس كورونا تحدثنا سابقا عن الارتجال والعشوائية في عهد الحكومة السابقة.
ونلاحظ اليوم بأن الارتجال مستقر والعشوائية والتسرع الإداري على قيد الحياة والتعليمات فيها غموض والجهات التي تقرر بحجة السيطرة على الوباء متعددة وتتزاحم ومن المرجح أن التزاحم هنا يعطل الجميع ويؤدي إلى التشكيك بالجميع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق