اراء و مقالاتمقالات وآراء

الأردن في الاستحقاق الأهم بعنوان «ميزانية مالية» دون «ماكياجات»

 

لا يتعلق الأمر إطلاقاً بعظام مكسرة يتقرر أن تكسى بلحم وهمي.. هذا ما يمكن قراءته بين الأسطر عندما يتعلق الأمر بتحضيرات أعضاء البرلمان الأردني الجديد لمناقشة الميزانية المالية الجديدة لخزينة الدولة، والتي أعدت وتقررت في ظرف استثنائي وستخضع على الأرجح لحالة «انقضاض» محتملة من قبل نواب طامحين بـ «المايكروفون» يعزفون على كل أوتار الابتزاز الخدماتي.

الثقة مطلع الشهر والميزانية بعد خمسة أيام ثم استحقاق «التعديل الوزاري»

ذلك، في كل حال، تقليد قديم في الحياة البرلمانية الأردنية تجازف به وتتكفله الدولة على أساس السيناريو الذي يقول بأن الضغط من أجل الخدمات التي ينتج عنها طبعاً أعباء مالية فاتورته أقل من التركيز على خطاب سياسي أو إصلاحي أو حتى وطني من جهة أعضاء البرلمان.
قريباً وعلى الأرجح اعتباراً من الـ 8 من الشهر الأول في العام الجديد، ستبدأ جلسات ثقة مجلس النواب بواحدة من أهم الميزانيات المالية ظرفياً وبعد إغلاق ملف الثقة بحكومة الرئيس الدكتور بشر الخصاونة وتفويضه من ممثلي الشعب، حتى يتحرك باسترخاء في خطة منهجية واضحة على مستوى الرئاسة لكنها غامضة عندما يتعلق الأمر بأداء الأدوات والطاقم. ويعلم الرئيس الخصاونة على الأرجح بذلك، وسيبدأ مناورته الجديدة وسط زحمة من الألغام والتفخيخ بورقة التعديل الوزاري مباشرة بعد الثقة وعبور الميزانية المالية.
تلك، في كل حال، ميزانية وصفها المشرع البرلماني الأكثر خبرة في الاقتصاد والمال الدكتور خير أبو صعليك، ومن العام الماضي أمام «القدس العربي» بأنها صعبة وفي ظرف معقد، وتحتاج إلى مستويات متقدمة من الذكاء في الانتقال ما بين المعطيات بما يحافظ على مالية الدولة وسلامة التحفيز الاقتصادي.
أبو صعليك يستعد لإدارة النقاشات في مشروع الميزانية المالية عبر اللجنة المختصة بين النواب، وهي مهمة معقدة وصعبة أيضاً ليس فقط بسبب عدم وجود مختصين على دراية عميقة في الإدارة المالية داخل تركيبة اللجنة المالية التشريعية، ولكن أيضاً بسبب التراتب الزمني، حيث ينهش النواب الجدد من البداية -ولو مايكروفونياً- الحكومة والميزانية لأغراض الاستعراض الجماهيري وأمام الكاميرات، ثم تمارس الضغوط الحادة على طاقم الوزارة خلف الستارة.
كل تلك اعتبارات تؤخذ في الحساب عند الطبخ السياسي. لكن على الورق وفي الواقع، الأرقام والبيانات هي المحور والأساس، وفي الحكومة الحالية، ووزير للمالية الدكتور محمد العسعس قرر مسبقاً بأن الظروف العامة تتطلب عدم المجاملة على حساب الحقائق والأرقام. ما يقصده العسعس هنا هو عرض مشروع ميزانية واقعي ويعكس الحقائق، والوقائع -كما هي أمام ممثلي الشعب تحت قبة البرلمان- دون مراوغة رقمية أو ماكياجات أو مبالغة في التفاؤل أو تفريط في التشاؤم.

ماذا سيفعل «المايكروفون» عند الانقضاض البرلماني؟

يعرف الوزير أن لذلك ثمناً، لكن المرونة في عرض البيانات المالية تفترض مغادرة عقلية المحاسب إلى عقلية التفكير الإداري المالي وفقاً للصيغة التي يقترحها القطب البرلماني ونائب رئيس مجلس النواب حالياً أحمد الصفدي، كما فهمت «القدس العربي» منه. ولا يحفل العسعس حتى اللحظة على الأقل بكل الاعتبارات التأسيسية والإعلامية والشعبوية التي تثار حول ميزانيته المالية، ويصر على قراءة المنحنيات الرقمية، ولعلها من المرات النادرة التي يتقدم فيها للنواب وزير مالية بمشروع خطاب موازنة لا يشكل حملة تكتيكية أو يتيمة ومعزولة عن السياق الوطني العام، بل جملة مدروسة ومنضبطة شمولياً تدفع بمشروع الميزانية المالية إلى الواجهة كنتيجة لحزمة الاعتبارات في المشهد الاقتصادي عموماً.
وهي جملة تراعي مجدداً التوازن ما بين النمو البيئة الاقتصادية والاحتياجات والوقائع الملحة التي فرضها الفايروس كورونا، كما توازن ما بين النفقات والواردات ومتطلبات الإصلاح الهيكلي والحوارات الثرية والتفصيلية مع المؤسسات المانحة الدولية. وبالتزامن، تراعي إصلاح النظام الضريبي بالتوازي مع تحفيز بنية الاستثمار.
بمعنى آخر، الميزانية المالية هذه المرة على الأقل تختلف بإقرار الصفدي عن كل المرات. وبمعنى آخير، هي من حيث الإفصاحات والبيانات ثمرة لعملية تفكير وتمحيص مالية اقتصادية مترابطة بعمق وليس مجرد خطاب يقدم للنواب حتى تستطيع الحكومة الاستمرار في الإنفاق.
السؤال هو قاعدة النواب الجدد الأفقية.. هل تفهم الأمور على هذا النحو؟
.. لا حاجة لاستعجال الجواب الحاسم، فالنواب أيضاً يراقبون الخبرة ولا أحد في هيكل السلطة يطالبهم إلا بالتصويت حتى تعبر الميزانية، وإن نجح العسعس وطاقمه في وزارة المالية بتوضيح وشرح الحيثيات واستقطاب النواب، وذلك متوقع دوماً، يكون قد حقق قيمة إضافية لا تقف عند حدود مساندة اتجاهات الحكومة المالية، لا بل تنعش الأمل بشراكة بين السلطتين منتجة وتعلي من شأن ودور مؤسسة النواب تماماً كما يريد رئيسهم عبد المنعم العودات وهو يكرر مع «القدس العربي» هذه العبارة طوال الوقت.
في القراءة الأولى السطحية بمشروع الميزانية المالية حرص واضح على بيانات واقعية في عوائد الخزينة والضرائب وفي المساعدات والمنح، وسعي لمفاجآت إيجابية بدلاً من السلبية وعرض واقعي بلا مراوغة للمشكلات المالية وشرح بطبيعة الحال لما يجري من حوارات ومفاوضات ودعم بعيداً عن الانكماش لنظام الحماية الاجتماعي، ولتعزيز مكافحة البطالة والحرص على المال العام. وبالتوازي، البقاء في حالة إسناد لقيمة وسعر الدينار ولقصة نجاح القطاع المصرفي.
وبين الأسطر محاولة مدروسة بحرص شديد لتجنب إقلاق المجتمع، فالميزانية المعروضة الآن ليست انكماشية، لكنها أيضاً ليست توسعية إلا جزئياً، وتبقي الأمل مستمراً في الحرص على عائدات الخزينة، وعلى بقاء ودعم الرواتب وتشغيل المال في الأسواق، والحد من الاقتراض الداخلي مادام الخارجي متاحاً، والسهر –وقد يكون هذا الأهم– على وقف اضمحلال الطبقة الوسطى مع بقاء النموذج الفعال والناجح في ملف التحصيل الضريبي ووقف الإعفاءات الضارة وغير المنتجة والتي تنتحل صفة الاستثمار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق