اراء و مقالات

الأردن في السؤال المزعج: هل يعود الحراك الشعبي في نيسان؟

 لا يمكن الرهان ببساطة على تمرير أو عبور الصورة الاجتماعية السياسية التي ظهرت صباح الأحد الماضي على بوابة مجلس النواب الأردني، عندما يتعلق الأمر بأول محاولة تشبيك بين بعض أعضاء مجلس النواب وقادة ونشطاء الحراك التعليمي ونقابة المعلمين، تحديداً في الحديث عن مشهد لا يتجدد أو لن يتكرر.
هذا المشهد نادر بالمواصفات الاجتماعية، وثمة حالة تعاطف من قبل الشارع مع نقابة المعلمين توازيها حالة تفهم لمظلوميتها، خصوصاً بعد صدور قرار من محكمة البداية أثار الكثير من الجدل واللغط بعنوان دستوريته ومقدار قانونيته يحل مجلس نقابة المعلمين الحالي، ثم يحكم على الأعضاء بالسجن دون تنفيذ لمدة عام، والأهم يتضمن عبارة واضحة تقول بحل النقابة أيضاً، الأمر الذي يفترض أن نقابة المعلمين في طريقها للطعن به عبر محكمة الاستئناف.
أغلب التقدير أن محكمة الاستئناف ستراجع جميع تفاصيل القضية المنظورة والتي صدر بموجبها قرار محكمة البداية.
لكن الأهم أن الفرصة باتت متاحة اليوم لرؤية مشهد يمكن التضامن فيه عبر البرلمان والشارع مع نقابة المعلمين وبصورة نادرة بعد أكثر من عامين من الضجيج والصخب في الاتجاه نفسه.
وما لا يريده السياسيون ولا حتى المراقبون والخبراء هو تطور ملف نقابة المعلمين مجدداً لكي يصبح في مستوى التأشير على أزمة لم يتم علاجها بين الحكومة وموظفي القطاع العام في وقت حساس للغاية، وفيما حكومة الرئيس الدكتور بشر الخصاونة بدأت الاشتباك مع مجلس النواب تحت بندي نيل الثقة على البيان الوزاري ثم عبور الميزانية المالية. يعتقد على نطاق واسع بأن ملف نقابة المعلمين واعتباراً من صباح الثلاثاء، حيث تعقد أولى جلسات البرلمان في نقاشات الثقة في وزارة الخصاونة، سيكون من المواد الأساسية والدسمة عندما يتعلق الأمر بالاشتباك والخطاب مع الحكومة.
وأغلب التقدير أن النواب الجدد، في جزء لا يستهان به منهم، يستطيعون مقايضة الحكومة بتبني ولو بعض مطالب نقابة المعلمين، ما سيؤدي إلى تحريك الأمور في منسوب ما يمكن وصفه بمستنقع سياسي وبيروقراطي كان راكداً للغاية قبل التأزيم بنسخته الأخيرة، حيث تواجد مئات المعلمين في اعتصام احتجاجي رمزي صاخب خطب فيه بعض النواب في جملة مجاملة كبيرة لنشطاء نقابة المعلمين. وذلك تطور لافت في مسار الأمور، يعتقد المحلل السياسي مروان الفاعوري بأن على الحكومة الوقوف عنده وتأمله، مشيراً إلى أن واجب الحكومة والسلطة السياسية منع فتيل تأزيم مثل هذه الملفات الاجتماعية، ومؤكداً في نقاش بحضور بعض السياسيين مع «القدس العربي» على أن المسألة لا تتعلق بالبنية القانونية ولا بالإطار القضائي القانوني الذي يحاول التعامل مع الموقف المتعلق بنقابة المعلمين.
لكن المسألة اليوم تتعلق بمشهد وطني كان ينبغي ألا يعود ضمنياً إلى التأزيم. ويقدر الفاعوري أن الحكومة كان ينبغي أن تقوم بواجبها وعلى أساس الحوار مع المعلمين وغيرهم في مؤسسات المجتمع الأردني بدلاً من الرهان على الرؤوس الساخنة فقط والتسرع في اتخاذ قرارات تعكر مزاج الرأي العام. ويجلس شيطان التفاصيل مستقراً عند العبارة التي تتحدث عن المزاج العام، فالضغط الاقتصادي كبير بعد المواجهة مع الفيروس كورونا، والخسائر الاقتصادية والتجارية التي عانت منها الطبقة الوسطى وغالبية ساحقة من المواطنين يرى الخبراء أنها ستكشف عن نفسها وتتجلى اعتباراً من بداية الربيع المقبل، وهو ما يتوقعه رئيس أكبر كتلة في البرلمان الدكتور عبد الرحيم الأزايدة وهو يتحدث مع «القدس العربي».
وبالتالي، شبح البطالة يطل مجدداً على هامش ما نتج عن أزمة كورونا في البلاد، وذلك تقدير يوافق عليه رئيس غرفة تجارة عمان خليل الحاج توفيق، وهو يدعو الحكومة وجميع الأطراف لحوارات سريعة وطارئة وعميقة جداً مع مؤسسات التمثيل المدني وجميع القطاعات للتخفيف من حدة البطالة المقبلة. ويوافق المستشار الاقتصادي محمد رواشدة، على أن العديد من الوظائف ستختفي، ومئات الأردنيين قد يفقدون وظائفهم بمجرد إلغاء أوامر الدفاع، حيث الخسائر كبيرة في العديد من القطاعات الصناعية والقطاعات التجارية، لكن خطط الاستدراك لا تزال قاصرة ولا تزال تتميز بأنها أفقية ومعنية بجذب الاستثمار وتحسين البيئة الاقتصادية، وهي مسألة تمثل الأمل الأساسي والوحيد للأردنيين.
وفي دوائر أعمق ليس من القرار فقط، لكن في إطار توقع تدرس معدلات البطالة التي يتوقع أن تزداد مع بداية العام الاقتصادي والمالي الجديد في حال عدم وجود مشاريع معاكسة أو مضادة على المستوى الحكومي، يمكن أن تضاف هذه المعطيات إلى أزمة اقتصادية ومعيشية، وإلى أزمة رواتب في القطاع الخاص قد تؤدي إلى جذب العديد من الأردنيين مجدداً لاحتمالات وسيناريوهات عودة الحراك الشعبي.
وهي عودة لا ترغب السلطة في التحدث عنها اليوم، لكنها قد تتغذى على الأزمة المتفاعلة تحت عنوان المعلمين في القطاع العام ونقابتهم، إذا لم يتم التعامل باستدراك وعمق مع التفاصيل. ولم يعد سراً في أوساط العاملين في العاصمة الأردنية عمان السياسية والخبيرة القول بأن مناخات الحراك الشعبي مؤهلة للعودة للنشاط بعد مسألة الفيروس كورونا واللقاحات، ما لم تحصل مستجدات صحية وفيروسية في العالم، مما يعني وجود عدد أكبر من فاقدي وظائفهم واستمرار الإخفاق في إدارة مشروع اقتصادي فعال وغياب مشاريع سياسية على المستوى الإقليمي منتجة، وهو ما يعني عملياً الوقوف مجدداً على محطة شرائح عديدة للمجتمع قد يجذبها الحراك الشعبي أو قد ترى فيه تعبيراً عن هويتها ومصالحها، وعن مزاجها الحاد خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية الحادة.
ويرى الخبراء العميقون هنا أن على الدولة والحكومة أن تجتهدا في التخفيف من حدة المسوغات والذرائع التي يمكن أن تستعمل في إطار عودة اللجوء إلى الشارع في مواجهة المشاريع والاتجاهات الحكومية، وهي مهمة يفترض أن يستوعبها بذكاء على أساس تمثيل الناس وطموحاتهم مجلس النواب الجديد الذي يضم 100 عضو جديد تماماً لم يسبق له أن اشتبك مع القضايا السياسية في بعدها الاجتماعي .
وأهمية المجلس الجديد أنه ينبغي أن يظهر قدراً من الاهتمام بالقضايا التي تهم الطبقات الفقيرة والمسحوقة والقلقة اقتصادياً، ومنها أوساط المعلمين، إذا ما أراد التموقع في مساحة تمكنه من مفاوضة الحكومة وتحصين شروط الاشتباك.
لكن ذلك قد يعني لاحقاً مؤسسة مجلس نواب قوية يرى الكثير من المؤشرات أنها ليست مطلوبة في هذه المرحلة، وهذا وضع يزيد من تعقيدات المشهد العام، ويوحي ضمنياً بأن أجواء الحراك الشعبي قد تكون في بداية إطلالتها بالقرب من نافذة صغيرة ما لم تتغير الاعتبارات على المستوى السياسي وبرامج الأداء التنفيذية في حضن الحكومة بعد حصولها على ثقة النواب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق