اراء و مقالات

الأردن: قصور واضح في التشريعات وانتقادات لذهنية «الفزعة»… و«المتورطون إلى المحكمة»

«جميع المتورطين من المسؤولين السابقين إلى المحاكمة»… تلك صيغة طبيعية ومنطقية لها علاقة بتفعيل القانون لا تعفي الحكومات المتعاقبة من المسؤوليات الأخلاقية والسياسية عندما يتعلق الأمر بالإفصاحات العلنية لهيئة مكافحة الفساد الأردنية بعدما قفزت للواجهة مجدداً عملية التحقيق بملفات الطاقة تحديداً، والخلل الذي اعتراها.
طبعاً، واجب هيئة مكافحة الفساد التدقيق والتحقق والتحقيق الأولي، وهذا ما يمكن فهمه من التعليقات العلنية قبل نهاية العام التي وردت على لسان رئيس الهيئة في لقاءات إعلامية علنية الجنرال مهند حجازي، الذي وطاقمه يقومان بعمل كبير، والحديث له علاقة بتحقيق موسع ارتبط بمشروعين: الأول يشير إلى مخالفات وردت عند الحصول على تراخيص لإنتاج الكهرباء البديلة، والثاني مرتبط بمشروع استثماري ضخم بغطاء تمويلي صيني هذه المرة اسمه مشروع العطارات. وطبيعي جداً للهيئات المالية الرقابية أن تقوم بواجبها في إطار القانون وصلاحياتها، ولا أحد يمكنه لوم أذرع الدولة الرقابية عندما تتقدم للحفاظ على المال العام ونظافة الاستثمار. لكن اللوم يمكن أن يوجه بالجملة والأطنان للحكومات وللوزراء الذين يرتكبون أخطاء فادحة ثم تجد المستويات السيادية في الدولة نفسها في مواجهة اختبارات قاسية عنوانها التخفيف من الألم والحد من الخسائر تحت عنوان الحفاظ على المال العام الذي أمر به القصر الملكي.
وعلى المسطرة نفسها طبيعي أن يتحرك «الأمني» أيضاً عندما يغيب السياسي والتكنوقراطي والفني، فتستعمل أدوات الضغط وفقاً للفلسفة الأمنية وفي إطار القانون أيضاً. وكلاهما، ونقصد الخيار الرقابي وشقيقه الأمني، مهم وأساسي ما دام الحديث في مشاريع الطاقة أو غيرها له علاقة بمنظومة مصالح الدولة العليا.
بالتوازي، يبرز السؤال الفني الأهم: هل تكفي المجهودات الرقابية والتحقيقية ثم الأمنية لإعفاء خزينة الدولة من كلفة الشروط الجزائية التي وافق عليها المستوى التنفيذي والسياسي في الماضي عندما يتعلق الأمر بمشاريع طاقة كبيرة في البنية التحتية؟ يبدو سؤالاً حساساً على نحو ما، فالمستوى الأمني والرقابي يتحرك بأدواته وخبراته لتغطية قصور كبير حصل في المستوى الحكومي، بينما الشروط الجزائية الضخمة، خصوصاً بمشروعي اتفاقية الغاز الإسرائيلي والعطارات الصيني، لا يمكن عملياً مواجهتها بالخيارين الرقابي والأمني فقط.
تلك مفارقة كبيرة؛ فالتحقيق مع أو محاكمة أو حتى سجن أي مسؤول سابق ارتكب مخالفة للقانون في مشاريع الطاقة تحديداً وعالمها المتشابك مهم ومفيد، ويوحي بالشفافية ويحافظ على المال العام، لكنه بالنتيجة لا يعفي الخزينة من الشروط الجزائية الضخمة التي وافق عليها وزراء أو رؤساء وزارات في الماضي.
المعنى واضح سياسياً هنا، فخيارات التعامل مع الشروط الجزائية غير المنصفة التي فرضت على الأردن، على حد تعبير القطب القانوني والبرلماني صالح العرموطي، لها قنوات قد تقف عند حدود اللجوء للتحكيم الدولي ودفع نفقات ورفع شكاوى، وهي مساحات تحتاج إلى خبراء قبل أي اعتبار آخر، ولا يحدث فارقاً فيها الضغط الأمني أو حتى سجن ومحاكمة متورطين من أي صنف، مع التأكيد على الحاجة دوماً للتحقيق والمتابعة الرقابية، حيث منظومة إجراءات وخطوات تنفع في السياق المحلي وتعلي من شأن القانون وهيبته، لكنها لا تقدم شيئاً حقيقياً على طاولة التفاوض مع أي ممولين من الخارج سمح لهم أصلاً في الماضي بفرض شروط جزائية متعسفة على المملكة.
ليس سراً هنا أن رئيس الوزراء الأسبق الذي عاد أمس الأول إلى عمان الدكتور عمر الرزاز، وعندما تعلق الأمر باتفاقية الغاز الإسرائيلي، أعلن هو وليس غيره بأن الشرط الجزائي مجحف في هذه الاتفاقية التي نظر لها ككمين وطني على أساس المساهمة في وضع مصير ملف استراتيجي مثل الغاز والطاقة في حضن عدو لا ترتاح له المملكة، كما يصر العرموطي أيضاً.
يبدو أن جرأة الرزاز في الاعتراف بإجحاف الشرط الجزائي تقابلها اليوم خيارات حكومة الرئيس الدكتور بشر الخصاونة في اللجوء إلى التحكيم الدولي على أمل تخفيف حدة الشرط الجزائي الضخم المفروض على المملكة بعدما أعيدت حسابات مشروع العطارات الممول صينياً.
سمعت «القدس العربي» من عضو بارز وخبير في مجلس الأعيان كلاماً يصر فيه على أن الخيارات الأمنية والتحقيقية، على أهميتها، لا تكفي في بعض الملفات لحماية خزينة الدولة من الشروط الجزائية المجحفة.
باطن الحديث هنا يحاول التلميح إلى أن الحلول قد تكون أحياناً عبر الخبراء وأصحاب الاختصاص، فعندما يغيب الخبراء ونخبة التكنوقراط يصبح المسار الأمني ليس كافياً في المواجهة، بمعنى أن محاكمة أو حبس أي عدد من المشتبه بتورطهم يفيد في الداخل، لكنه قد لا يحدث فارقاً في الخارج مع تلك الشركات العملاقة العابرة لتي وقعت معها اتفاقيات بظروف وملابسات غامضة إلى حد كبير.
عموماً، يقف الخبير في ملف الطاقة ورجل الأعمال ياسر حنتولي، عند ما هو أهم في المفصل، وهو يبلغ «القدس العربي» بأن أصل الخلل في كلف الطاقة والاستثمار فيه بالأردن هو في بنية منظومة التشريعات التي لا تواكب في جزء كبير منها التطورات المذهلة على صعيد هذا الملف، مشيراً إلى أن التعاطي مع ملفات الطاقة المعقدة والمتشابكة لا يصلح بنظام «الفزعة».
ما يقوله الحنتولي يستحق التوقف والتأمل ويظهر الحاجة الملحة لإدارة ردود الفعل في ملفات الطاقة على أساس الخبرة والعلم ومع كل التقدير للحاجة الوطنية الملحة لمنظومة فعالة تحقق وتدقق ثم تحاول التصويب في إطار القانون، الأمر الذي تجتهد لفعله اليوم المستويات السيادية. لكن في الخلاصة، تلك حلول محلية الطابع تعمل على تصويب أخطاء في المؤسسة نفسها لكنها لا تكفي بكل بساطة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق