اراء و مقالات

الأردن: قضايا «إطالة اللسان» تحت المجهر وقيد «الإحصاء وتقييم الوظيفة»

وسط «جائحتين» وقرب «الفتنة»… والمحكمة تبرئ متهمة

عمان – «القدس العربي» : لا يحتاج المشهد أصلاً إلى مزيد من الإثارة والتشويق ولا إلى إنتاج المزيد من التساؤلات. محكمة الاستئناف الأردنية تقرر بعد يوم واحد تقريباً عدم مسؤولية الفتاة التي خطفت أضواء المنصات، عن تهمة إطالة اللسان.
القرار كانت قد اتخذته محكمة بالدرجة الأولى، وملف القضية خاضع للاستئناف، لكن الإثارة الإعلامية في البلاد وصلت إلى ذروتها بعد شكوى على الأرجح لها علاقة بملاسنة نسائية. لكن الموقف أنهاه تماماً رئيس جميع السلطات، وهو الملك عبد الله شخصياً، باتصال هاتفي مع الفتاة التي أدينت بدرجة الحكم الأولي قبل فسخ الحكم بالاستئناف، لأنها ذكرت عبارة «تفضل فيها والدها على الملك».
موقف الملك من هذه القضية يعكس – حسب المقربين والمسؤولين الكبار – مرونته وتسامحه، فالبلاد أصلاً منشغلة بملف الفتنة الأخيرة، ولا مجال للجدل أو حتى للمساس بإدارة القضاء لملفاته تحت لافتة إطالة اللسان، لأن ملف القضية كان أصلاً في الاستئناف، ومحكمة الصلح قررت الحبس وأوقفت التنفيذ.

«النية الجرمية»

لكن ثمة أسئلة كبيرة وعديدة تطرحها الحادثة بكل تفصيلاتها، حيث تقرر محكمة الاستئناف عدم مسؤولية الفتاة بسبب عدم وجود بينات حقيقية، بمعنى في الجانب الإجرائي القضائي تتصرف سلطات القضاء والمحاكم بموجب النظام الذي يحكم عملها، وقد لا يتوفر الأساس للقول بأن اتصال الملك بالفتاة المدانة قد يكون له علاقة بقرار الاستئناف إلا في سياق التسريع بحسم ملف لأغراض المصلحة العامة.

وسط «جائحتين» وقرب «الفتنة»… والمحكمة تبرئ متهمة

والمشهد يفيد في اتجاهين، فهو يظهر حجم السلبية التي تتسع في أوصال المجتمع وكيفية تقييم مسار الأحداث من زوايا مختلفة ومتباينة، الأمر الذي ينبغي الآن أن يدرس فعلياً في وقفة تأمل وطنية وتحت عنوان مكسب لا يختلف الأردنيون عليه، وهو بقاء السلطة القضائية مستقلة تماماً وخارج تجاذبات الشارع والسياسيين. القضاء تصرف في ملف بين يديه، لكن حجم الاحتقان العام والمزاج الحاد يحاول الاصطياد من زاوية التراتبية الزمنية ودون أدلة أو براهين.
المسألة الثانية، وقد تكون الأهم، هي أن حادثة الفتاة، آثار الدباس، التي وصفت بعنوان تبرئة متهمة بريئة بالنسبة للشارع وليس لمحكمة الدرجة الأولى، تسلط الضوء على ملفات وقضايا إطالة اللسان والتي طالما استخدمت – في رأي العديد من الحقوقيين- في إطار النكايات السياسية والبيروقراطية، أو حتى في إطار التكييف القانوني الذي يسمح به القانون.
بدأت منصات الأردنيين تقترح شطب النصوص القانونية التي تتحدث عن إطالة اللسان وتظهر الحرص على ضرورة الانتباه لعدم التعسف في بناء شكاوى باسم الحق العام بناء على تلك النصوص التي تسمح بالمرونة والتفسير والتأويل في بعض الأحيان. لا يمانع علناً، وبرسالة واضحة، الملك شخصياً بأن تقول أي أردنية بأنها تحب والدها أكثر منه.
لكن محكمة الدرجة الأولى كان لها رأي في حيثيات قضية محددة، وهو رأي خالفته محكمة الاستئناف لاحقاً، وقررت عدم مسؤولية وليس براءة الفتاة المعنية، وهي صيغة قانونية تعني بأن الادعاء أخفق في تقديم أدلة وبراهين قاطعة على ارتكاب الجريمة. فيما يلفت الخبير القانوني والمحامي المعروف أيمن أبو شرخ نظر «القدس العربي» بأن الركن الأساسي في إثبات أي مخالفة هو «النية الجرمية».
ما حصل بالنتيجة، سياسياً ووطنياً، انتهى بتسليط الضوء على تلك الجريمة حصرياً، وأحياناً على المساحات غير المحكمة في التقدير للبينات القانونية التي يمكن أن تظهر بعض المظلومية أو التعسف. ذلك ليس شأن القضاء في كل حال، وإن كانت المنصات قد نشرت نسخة من توجيه للنيابة تقتضي «جمع» ملفات قضايا إطالة اللسان.
وليس له علاقة بالمؤسسات المرجعية أيضاً، وهو على الأرجح شأن السلطات وكبار الموظفين الذين يمثلون السلطة التنفيذية ويظهرون أحياناً جرعة من المبالغة والتهويل في تبرير وظائفهم وإدامتها، أو في النزوع إلى المزاودة على المواطنين.
آخر ما يمكن أن تحتاجه الدولة والمرجعيات والمؤسسات السيادية هو مثل هذا التنميط في المرحلة الحالية الحرجة والصعبة، فالجائحة الصحية تضرب الأردنيين في مناطق حساسة، والجائحة الاقتصادية تضرب غالبيتهم في مناطق أكثر حساسية.

الأردن بعد «الفتنة»

والجميع منشغل للتو بأحداث مؤامرة وفتنة غامضة النتائج، والدولة ينبغي لها أن تركز على واجباتها بعد نمو خصوم الداخل والنشاط المفاجئ الزاحف لمعارضي ومتآمري الخارج.
التركيز ضمن بوصلة سياسية وبيروقراطية على نصوص القوانين التي تتحدث عن إطالة اللسان هو آخر ما يحتاجه الأردنيون حالياً.. تلك ليس وظيفة الرأي العام ولا الأحزاب ولا المجتمع المدني، بل وظيفة الدولة والمؤسسات بعدما اكتشف الجميع اليوم بأن التوسع أو التعسف أو كليهما في استخدام نصوص تهمة إطالة اللسان لا يخدم الدولة بقدر ما ينطوي على رغبة كامنة عند موظفين في المزاودة على الناس.
ليس من مصلحة أحد الآن إظهار عناصر الخشونة أكثر في مواجهة الشارع.
وليس من مصلحة الدولة بالتأكيد مراكمة الإحباطات والسماح بحملة انفلاتية هنا أو هناك بالتحول إلى قضية رأي عام. فمن باب المناكفة والسعي لتسجل مواقف فقط، توسع الأردنيون عبر منصاتهم وعلى مدار خمسة أيام في التأكيد على أن كلاً منهم يحب والده، مثل تلك الفتاة، أكثر من أي جهة أخرى.
لا أحد يمكنه إدانة مواطنة قالت بانفعال إنها تحب والدها مناكفة بسيدة أخرى تلاسنت معها، وهي حقيقة ساندتها اليوم محكمة الاستئناف ووفر لها الغطاء الأبوي الملك شخصياً.
لكنها بذلك الوقت حقيقة من النوع الذي يكشف بعض الأخطاء الفادحة التي ترتكب بين الحين والآخر تحت ستار إطالة اللسان أو غيرها من القضايا، خصوصاً بعدما تبين بأن من يؤذي البلاد حقاً وفعلاً، أو يتآمرون عليها، هم أشخاص من رحم الدولة وبيتها وليسوا مواطنين انفعلوا هنا أو هناك.
ويثبت ذلك بأن ما حصل مع فتاة أطالت اللسان درس مثير كان يمكن الاستغناء عنه، لكنه في وقت حساس هو آخر ما تحتاجه الحكومة اليوم أي التوسع في إظهار الخشونة وأحياناً الرعونة البيروقراطية في معالجة احتقان شعبي واقتصادي.
الأردن قبل الفتنة الأخيرة قد لا يكون هو نفسه بعدها. ملفات عديدة قيد المراجعة القصرية في كل الأحوال قد يكون من أبسطها وأقلها أهمية هو ذلك المتعلق بكيفية إدارة تهمة مثل إطالة اللسان مع عناصر التوقيت والظرف العام في بلد يعتبر الحكم في التسامح والصفح الأبوي أساساً تراثياً يؤطر العقد الاجتماعي وقيمة مركزية في الإدارة العليا للدولة.
المغامرة باتهامات من هذا النوع لأي سبب مكلف سياسياً ووطنياً أحياناً، وعلى المغامرين في السلطة الانتباه لما قاله عدة مرات وحذر منه أمام «القدس العربي» سياسي راشد ومحنك مثل طاهر المصري، عندما لفت النظر إلى أن عدد كاظمي الغيظ يزيد في عمق المجتمع الأردني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق