اراء و مقالاتمقالات وآراء

الأردن: مخالب «بيروقراط» بغطاء «تشريعي»… من المسؤول عن مساكن فساد الماضي وجدل الضريبة؟

 

قد لا يصبح منصفاً الغرق في محاولة تحميل الطاقم الذي يدير «ملف الضرائب» في الأردن هذه الأيام مسؤولية أي «مجازفة سياسية» أو مبالغة في التهويل الشعبوي والمنصاتي، خصوصاً أن الساحة بطبيعتها قابلة للإفراط في التهويل والفتور حسب بوصلة المزاج العام.
طاقم إنفاذ القانون، عندما يتعلق الأمر بالضرائب، أمر بالتصرف التنفيذي في إطار ما يتيحه القانون وضمن المحددات الدستورية أيضاً، لا أكثر ولا أقل.
والمستوى السياسي، ابتداء من رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز، هو المعني بأي ملاحظات أو استيضاحات شعبية أو إعلامية أو سياسية؛ لأن أطقم الضريبة بالعادة «عمياء» ولا تغرق بكل دول العالم في تقليب دفاتر العائلة، أو السيرة السياسية، أو الخلفية العشائرية والجهوية لأي مكلفين بالضريبة أو حتى «متهربين منها».
أما الجزء «الأمني» في مرافقة «جولات تفتيش الضرائب» التي تثير جدلاً ساخناً في الأردن، فهو أيضاً مسؤولية المستوى الأمني والسياسي، بمعنى عدم جواز توجيه أي سؤال علني لـ»أطقم فنية» وظيفتها مراقبة الأداء المالي وتحصيل حقوق الخزينة، فكل المستويات السياسية أثناء مرحلة «الربيع العربي» داخل إدارة الدولة وفي صفوف المعارضة، والمناكفة كانت تسترسل أصلاً في «الملاحظة» على أداء فريق الضريبة أو تنتقده وتتحدث عن تقصيرة. وطوال الوقت، تفنن السياسيون والإعلاميون في الحديث عن «قصور الأداء الضريبي».
وعندما تقررت استراتيجية فعالة وقانونية ومهنية خالية من الشوائب اليوم، تتصدر نفس تلك المفارقات الأردنية، ويحاول الجميع الملاحظة على أطقم لا تصنع القرار أصلاً وليست مسؤولة عن «مساكن فساد الماضي»، ووظيفتها «إجرائية وفنية» فقط، ومن المعيب سياسياً التنظير بالاتجاه المعاكس على أساس انتقاد قيام جهاز الضريبة بواجبه وعمله وبصورة منهجية شفافة ولأول مرة.
لا أحد وسط النخبة، التي تحذر من كلفة «مداهمات الضريبة» على الاقتصاد الوطني مستقبلاً، يريد الوقوف على المحطة التي تقول بأن «إنقاذ الاقتصاد الوطني» و»حماية الشراكة مع القطاع الخاص» والحفاظ على «الأمن المالي» وحتى مكافحة الفساد.. كلها «واجبات» لجهات سيادية متعددة لا علاقة للأطقم الفنية الضريبية بها. وطبعاً، اليوم في الحالة الأردنية تتغير العقلية الضريبية بتوجيه مرجعي وسياسي.

المستوى السياسي «لا يشرح» والأمني وظيفته تغطية خيارات الدولة

وهذا مكلف ومباغت؛ لأن الاجتماعات المغلقة لأكثر من عامين كانت تتحدث حصرياً عن ضرورة «الإصلاح الإداري» في ثلاث مؤسسات خدمية مهمة جداً، هي: الجمارك، والضريبة، وبلدية العاصمة عمان. والإصلاح في هذه المؤسسات، كما أفاد أمين العاصمة يوسف شواربة على هامش نقاش مع «القدس العربي»، كان دوماً مطلباً ملحاً للقطاع الخاص تحديداً، وهو «ينتقد الإعاقات» للاستثمار والشراكة، ويبالغ في التأشير على الفساد والرشوة والاستحكام.
المفارقة التي لا تحصل إلا في الأردن هذه الأيام هي تلك التي ينتقد فيها رموز القطاع الخاص عملية الاشتباك مع التهرب الضريبي والجمركي، التي يبالغ فيها «متضررون» من الاستحقاق القانوني والثقافي المهني الجديد في نسج الحكايات عن قرب «انهيار الاقتصاد الوطني». ولا أحد يعلم بعد كيف يمكن «إرضاء» قطاع خاص متردد ومتضجر وكثير الشكوى ومشغول بالصراعات فيما بينه أحياناً.
ولا يمكن معرفة الطريقة التي يمكن لسلطات التنفيذ أن تتبعها، خصوصا في مجال «رقابة المال والضرائب» إذا ما صدر ضوء سياسي آخر يلتزم بما اقترحه مكتوباً يوماً رئيس اللجنة الاقتصادية في البرلمان الدكتور خير أبو صعليك بعنوان «هدم بعض أركان المعبد البيروقراطي المعيقة للعمل».
الدولة الأردنية تريد الآن «فتح صفحة جديدة»، وإن كانت أسباب التشكيك متاحة بنفس الوقت بعد عقود من الممارسات المتواطئة غير المفهومة والقائمة على أساس قناعة الجميع بأن «مصداقية العلاقة» بين الدولة والمواطن «ضعيفة»، كما تقدر شخصية من وزن الدكتور طالب الرفاعي.
فتح صفحة جديدة خطوة ليست سهلة، لكن عليها أن تبرز في ظل تكريس «إصلاح شامل» جذري وفي نطاق دولة مؤسسات وقانون، كما يقدر الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي الشيخ مراد العضايلة.
السؤال: كيف تفتح صفحة جديدة فعلاً إذا كانت جبهات الإعلام المستأجر ومنصات التواصل ونخبة البزنس ومراكز القوى في موقع «دب الصوت» والتشويش والتأثير السلبي رداً على «تفتيشات ضريبية»، أكد الوزير الناطق بإسم الحكومة أمجد عضايلة أنها «تحصل في كل أنظمة المال بالعالم»؟
الإجابة ليست بسيطة على سؤال شائك من هذا الطراز، لكن المداهمات الضريبية والتحقيقات المالية بدأت تطرح أسئلة حساسة في الواقع النخبوي، وصعوبة العملية تكمن فيما يحذر منه خبير مثل الدكتور محمد حلايقة، حيث على الإجراءات أن تكون دقيقة وشفافة ولا تؤدي إلى تحويل «كل رجال الأعمال لمشتبه بهم».
ثمة «نواقص» في المشهد، وثمة تقنيات «تسريب»، ومصداقية عملية الإصلاح المالي على المحك، والجميع يراقب بوصلة «خيار الدولة» وتحديداً في الجزء المتعلق بـ»تصويب الأخطاء» عندما تحصل، وهي عملية أيضاً في مسؤولية المستوى الإداري السياسي.
لا أحد يريد التذكير بأن نخبة أقطاب البرلمان الحالي برئاسة المهندس عاطف طراونة هي نفسها الدائرة التي دعمت وسهلت مهمة الحكومة بإقرار قانون الضريبة الجديد بكل تجلياته بصورة معاكسة لأشواق الشارع.
ثمة إنكار يحتاج إلى نفسير لواقعة أن مجلس النواب الحالي هو الذي عزز «المخالب البيروقراطية» التي يتيحها التشريع اليوم، مع أن بعض أعضاء النواب وقعوا في «مصيدة» القانون عند إقرار برنامج وطني لـ»رفع كفاءة التحصيل الضريبي» في إشكالية لا يمكن لوم السلطة التنفيذية، وبالتأكيد لا يمكن لوم وزارة المالية وأجهزتها عليها أيضاً.
بمعنى أقرب للقص الشعبي، «دجاجة» التهرب الضريبي ببعض مفاصلها هي التي «حفرت» ومنحت مداهمات اليوم شرعيتها، مع أن الجانب التكنوقراطي يتحدث عن «جولات تفتيش» يتيحها القانون وكانت دوماً تحصل، وليس عن «مداهمات» أمنية الطابع لا يمكن سؤال الأطقم الفنية عن الجانب الأمني فيها.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق