اراء و مقالات

الأردن: موسم الكلام عن «حوار وطني» بدأ والمعارضة تبحث عن «ضمانات التنفيذ»

إصلاح أم مجرد «ملاطفة» للأمريكيين؟

 المعطيات الصحية لا تزال تسيطر على المشهد السياسي الأردني في الوقت الذي يحاول فيه مجلس النواب بالتوازي التحرك في اتجاه تنشيط حلقات ما يسمى بالحوار الوطني ضمن ملف مراجعة تشريعات الإصلاح السياسي.
مبكراً، كان رئيس مجلس النواب عبد المنعم العودات قد أبلغ «القدس العربي» بأن المجلس سيقوم بدوره وواجبه في رعاية طاولة استثنائية لا تنحصر في البحث عن صياغات توافق وطني لنظام انتخابي جديد فقط، ولكنها تعمل على تأطير مراجعة التشريعات المتعلقة بالتنمية السياسية.
في الأثناء، يبحث وزير التنمية السياسية في الحكومة والمعني بشؤون البرلمان موسى المعايطة، عن مقاربة حوارية لا تقف الحكومة على الحياد بواسطتها، بل تنتهي بحوار ما لم تحدد أطره وتنميطاته بعد الإقرار الذي سمعته «القدس العربي» أيضاً من المعايطة شخصياً بأن قانون الانتخاب الحالي استخدم دورتين، ويبدو أنه لا يناسب التطلعات المستقبلية لا على صعيد البوصلة الملكية المرجعية ولا على صعيد الشارع.

حزب «الجبهة»… والذاكرة

مبكراً أيضاً، وفي السياق تزاحم وتكاثر دعوات الحوار الوطني تحت لافتة الإصلاح السياسي، دخل على الخط بموقف واضح ومحدد حزب جبهة العمل الإسلامي الذي يمثل أكبر هيئة حزبية بالمعارضة، مطالباً بتهيئة مناخ إيجابي لمعالجة حالة الاحتقان السياسية والشعبية قبل انطلاق الحوار الوطني.
يريد حزب الجبهة الممثل للإسلاميين توقف سياسات التسويف والمماطلة في تحقيق الانطلاق الشامل وطي ملف الاعتقالات السياسية ووقف التغول الأمني والانفراج في ملف الحريات قبل الانطلاق نحو هذا الحوار.
تحتفظ الذاكرة عند الإسلاميين وغيرهم بلافتات حوار وطني سابقة، لكن حزب المعارضة الأكبر، وهو يستمع للحكومة تتحدث عن الحوار الوطني من أجل الانتخابات أو غيرها، يطالب بتوفير الضمانات لتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، وبالنص بعدم تكرار تجارب لجان الحوارات السابقة.
ذلك يبدو أقرب إلى عقدة في طريق المنشار السياسي، حيث إن غياب اليقين بالإصلاح أصبح ملازماً لكل المبادرات والدعوات، الأمر الذي يعني ضمنياً بأن توفير الضمانات التي يتحدث عنها حزب الجبهة قد لا يتجاوز اللفظ دون أن ينتقل إلى المضمون الحقيقي، لأن أصل أزمة الإصلاح – برأي وزير البلاط الأسبق الدكتور مروان المعشر- هو الإرادة السياسية قبل أي اعتبار آخر.

إصلاح أم مجرد «ملاطفة» للأمريكيين؟

وأصل الإصلاح الجذري الحقيقي والعميق الذي تتحدث عنه أدبيات الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي الشيخ مراد العضايلة، هو مجدداً العمق والجذر وتوقف مبادرات الإصلاح اللفظية، فيما الغرق في حسابات كلفة الإصلاح على أساس أنها أكبر من عدمه يجعل المسألة أقرب إلى القفز في المربع الحائر نفسه.
هل توجد صيغة لضمانات حقيقية؟
قد يبدو سؤالاً صعباً للغاية عند التفكيك والتركيب والتلغيز السياسي في المشهد الأردني، فوجهة نظر عضو البرلمان الأسبق والناشط سياسياً واجتماعياً الدكتور محمد هديب، أن المشهد ما زال في حاجة ملحة إلى مقاربة تعكس توافق الأردنيين على الحاجة الملحة للإصلاح الشامل وليس إلى كلاسيكيات الإنشاء الإصلاحي.
هديب، وعلى هامش وقفة مع «القدس العربي» سريعة، يضم صوته إلى تلك الأصوات التي تطالب بالاتفاق وطنياً على أن الإصلاح العميق والشامل ضرورة للدولة وللناس، ولم يعد مطلوباً أي مراوغة في هذا الاتجاه. لكن مجدداً، يلاحظ سياسيون خبثاء بأن ضمانات الحوار ستبقى لفظية في كل الأحوال، فالمتغيرات في الإقليم كثيرة ومتزاحمة، والوضع الاقتصادي ضاغط وبشدة، والوضع الصحي مقلق فايروسياً، وحسابات الدولة الأردنية المفصلية يبدو أنها مرتبطة بالنمو اللافت للعلاقات الأردنية الأمريكية، خصوصاً في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة، ولاحقاً في ظل الاتفاقية الدفاعية الجيدة التي هاجمها الحراك الشعبي بغلاظة وتحدثت عنها بخجل أحزاب المعارضة.

دعاة الإصلاح

المعنى هنا أن جدية الإصلاح، بعيداً عن هتافات مراجعة التشريعات المعنية بالتنمية السياسية وعن خطابات الوزراء والنواب، مرتبطة بسلم أولويات وتعقيدات مصالح متشابكة؛ لأن الانطباع السياسي والإسلامي أقوى في الأردن وأن الضمانة الوحيدة لتشريعات الإصلاح السياسي قد تنتج عن الرهان، حصرياً، على ضغط أمريكي في مجال الحريات تحديداً، وليس على الإنشائيات الحوارية لمسؤولي الحكومة الأردنية وللنواب الذين أفرزتهم اليوم واحدة من أسوأ الانتخابات في السجل الديمقراطي الأردني.
لا يريد دعاة الإصلاح السياسي الجذري والعميق، خلافاً لما يظهر أحياناً بين الوزراء والنواب، التركيز على شكل الإصلاح أو استعراضات الحوار الذي سيقود إليه. لكنهم لا يريدون في الوقت نفسه الانطلاق في ملف الإصلاح السياسي من منسوب البراغماتية السياسية التي تحاول «ملاطفة» رموز الإدارة الأمريكية الجديدة فقط أكثر من الاندفاع حقاً نحو تنميط وتفعيل ذلك الإصلاح عبر تغييرات عميقة في نصوص التشريعات والقوانين، وتحديداً تلك المتعلقة بنظام الانتخاب ومشروع اللامركزية وقانون التعددية الحزبية.
وعليه، يقدر الإسلاميون وغيرهم بأن البلاد سبق أن دفعت كلفة تلك الملاطفة بالحزب الديمقراطي الأمريكي بالقطعة والتقسيط، وبصيغة خدمت التغول وعكس الحريات طوال سنوات، ولم ترفع حقاً من مستوى منظومة النزاهة الديمقراطية والانتخابية، مما يدفع الإسلاميين وغيرهم إلى عدم الاكتفاء بدعوات الحوار الوطني، بل المطالبة بضمانات لتنفيذ مخرجات ذلك الحوار.
تلك الضمانات هي الأزمة في الواقع، لأن وثائق الإصلاح السياسي الأردنية موجودة في الأرشيف ويمكن نفض الغبار عنها في أي وقت، ولأن لجان الحوار السابقة خاضت تجربة الحوار وتأرشفت هي الأخرى، وعلى أساس أن الأزمة في التنفيذ وليس في الكلام والتوصية والوثيقة.
لا أحد من المهتمين اليوم بملف الحوار السياسي الإصلاحي لديه الثقة العميقة بالتنفيذ والانتقال الحقيقي نحو إصلاح أفقي شامل.
ومن المؤسف القول بأن الرهان على ضغط خارجي هو الأساس، لأن المطلوب وصفة إصلاح وطنية، كما يصفها الدكتور المعشر دوماً، حتى لا تفرض من الخارج.
موسم الكلام بدأ عن الإصلاح السياسي في الأردن، والسباق مرصود بين من يتزاحمون بحمل ميكرفون الحوار الوطني، ومقابل ذلك وبالتوازي بدأ أيضاً موسم ملاطفة التحولات الأمريكية في البيت الأبيض. يعلم الجميع بأن الاتفاقية الدفاعية العسكرية الأخيرة المثيرة للجدل أهم بكثير للمستويات الرسمية في واشنطن وعمان من ملف الإصلاح السياسي والديمقراطي في كل الأحوال، والذي يمكن التعامل معه مجدداً بالتقسيط دون حصول فوارق، ما لم تنضج إرادات سياسية في الاتجاه المـعاكس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق