اراء و مقالات

الأردن: نحت «مفاهيم» في «الأمن السياسي» تغازل بايدن و«خليط» يترقب «الإقليمي»

متى قرأت الدولة رسالة وليم بيرنز؟

عمان – «القدس العربي»: أثناء التحضير لورشة عمل تحديث المنظومة السياسية في الأردن، طرح في وقت مبكر سؤال على شخص محدد: ما الذي يتوجب برأيك أن نفعله؟
الطرف الثاني الذي وجهت له صيغة السؤال هو وزير البلاط الأسبق وأحد أبرز وأشرس دعاة الإصلاح السياسي وتلازم مساراته مع الاقتصاد، الدكتور مروان المعشر.

متى قرأت الدولة رسالة وليم بيرنز؟

طبعاً السؤال متأخر جداً، لكن المعشر آنذاك كان بصد أول حالة تفاعل حوارية مباشرة مع فعاليات القصر الملكي بعد سنوات من الغياب الناتج عن مطاردة إقصائية تعرض لها، كانت قد انتهت، للتو، بإجهاض مشروعه في تأسيس حالة حزبية مدنية كان يمكن، لو تركت دون ضربات متلاحقة على المفاصل، أن ينتج عنها شيء ملموس يقلل كلفة الإصلاح السياسي الحالية، التي ترتدي ثوب تحديث المنظومة السياسية.

«سيناريو تحفيزي»

كان المعشر مبكراً وأمام «القدس العربي»، من أوائل الذين تحدثوا عن مفارقة المعادلة التي تقول بأن كلفة الإصلاح السياسي في الماضي على الأقل وفي وجدان نخبة من كبار المسؤولين، أكبر من كلفة عكسه. طبعاً، لا توجد قرائن أو دلائل على أن تلك المعادلة تبدلت، لكن السؤال الذي طرح على شخصية مثل المعشر يدل على شيء ما، وإن لم يكن واضحاً آنذاك على الأقل؛ فالبلاد عموماً ومنذ نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 2020 تدفع كلفة وفاتورة هندسة الانتخابات، والتوقعات متزاحمة اليوم وسط القناعة بأن الإصرار على هندسة تجارب وحالات الأحزاب السياسية سيؤدي إلى رفع قيمة الفاتورة التي ينبغي أن تدفع مرة أخرى.
الأهم من السؤال المركزي «ما الذي يجب أن نفعله إصلاحياً؟» هو الإجابة. وهنا، يمكن العودة لإجابة مقترحة على شكل سيناريو تفكير تحفيزي، لا تكشف «القدس العربي» سراً وهي تربطه بما خطر في ذهن المعشر أيضاً وهو يقترح التعمق في دراسة خطوة الرئيس الأمريكي جو بايدن، ودلالاتها. والإشارة هنا إلى خطوة بايدن في اختيار وانتقاء وتعيين السفير والدبلوماسي وليم بيرنز رئيساً لجهاز الاستخبارات الأمريكية العريق.
لم يكن طبعاً مطروحاً تقليد الرئيس الأمريكي، لكن المعشر وسياسيين اثنين، اقترحوا مبكراً على سلطات ومؤسسات البلاد التوقف عند هذه المفارقة، على أمل نحت مضمون جديد بعنوان فك الاشتباك لمرة واحدة ونهائية، وفي إطار منظم ودقيق بين الأمني والسياسي، وضرورة الانتباه إلى أن عمان إذا أرادت الاستثمار فعلاً في اندفاع إدارة بايدن نحو الصداقة معها، فعليها أن تقرأ جيداً وبعمق قصة وليم بيرنز، الذي يعدّ اليوم واحداً من أبرز الخبراء في الملف الأردني، في مواقع الصف الأول الأمريكي.
لا يتعلق الأمر هنا بتقليد الأمريكيين، لكن فرضية تفكيك النسب والتداخل بين السياسي والأمني في بلد مثل الأردن، فيه قيمة المنظومة الأمنية هي الأساس ولا يمكن التفريط بها، هي محور النقاش هنا.
بمعنى، حسم الهوامش والمسافات الفاصلة، ومعرفة كيف ومتى يمكن أن يقود السياسي البوصلة الأمنية أو العكس قبل معرفة من يقود الآخر عندما يتعلق الأمر بالأمني والسياسي، وذلك ضمن أي صيغة، وعلى أي أساس، وللوصول إلى أي هدف مرتجى.
الأمني على نحو أو آخر، كان قد بايع في وقت متأخر قليلاً، وثيقة تحديث المنظومة السياسية في الأردن، وقيل علناً بأن الضمانات التي تريدها المنظومة الأمنية حصلت عليها. كما قيل علناً بأن مرحلة تقاسم بعض مساحات السلطة والإدارة مع الأحزاب السياسية ستأتي لاحقاً، وهو ما تحدث عنه علناً عضو البرلمان المسيس الإسلامي الميول عمر العياصرة.
تلك الضمانات شغلت الجميع، وأغلب التقدير أن عدة وجهات نظر تزاحمت في أقنية وقنوات دوائر القرار الأردني، واحدة منها تمثل الاتجاه الليبرالي الخشن القائل بضرورة تبعية الأمني إلى السياسي بعد الآن تماماً، والغرق لاحقاً في تفاصيل عملية انتقال سلمية بغطاء ملكي سياسي.
مشكلة هذه النظرية تتمثل في أن سطوة الأمني طوال عقود، أفرغت الساحة من المحتوى والمضمون السياسي، بمعنى أن الانتقال يحتاج إلى التدريج لاحقاً إذا ما تقرر، وأن السياسي نفسه غير موجود أصلاً حتى يرث تركة القيام بالواجب الأمني.
وجهة نظر أخرى تحمست لبقاء سطوة الأمني على التعبير السياسي، ومشكلتها الأساسية أن الإجراءات عند ممارسة خطوات الانفتاح السياسي هنا ستكون بطيئة وزاحفة، وستكرس الأوضاع كما هي في الماضي؛ لأن أحداً لا يستطيع تحمل كلفة محاسبة وأحياناً مساءلة الهندسة.
بين التقديرين، يبدو أن وجهة نظر وسطية طرحت تؤسس لحالة تفاعل واشتباك إيجابية تحت عنوان تقاسم -ولو بجزء من «كعكة»- السلطة والإدارة وبالتدريج الممل، وهذا تطلب -برأي كثيرين- الإجابة عن السؤال الأول بعنوان أعرض لافتة اليوم، وهي «دسترة» مجلس الأمن القومي، وهو ذراع دستورية جديدة تخلط، في إطار سيادي، الأمني مع السياسي، بصيغة هي أقرب إلى مجازفة جديدة، لا أحد يعلم ما إذا كانت محسوبة بدقة أم العكس.

مجازفة

لكنها تبقى مجازفة منطلقة من رؤية مرجعية هذه المرة، ويفترض أن ينتج عن «المزيج الجديد» عبر لافتة مجلس الأمن القومي، منتجٌ وطني جديد وظيفته ليس فقط الاستعداد والتجهيز للإقليم المرحلي المقبل وبقوة، لكن أيضاً احتواء الأزمات والصدمات والأسئلة الكبيرة التي ولدت في مؤسسات البلاد الرسمية قبل الشارع بعد بروز إشكالات ملف الفتنة الشهير، وبعد تداعيات هندسة الانتخابات وظهور ميول قد تصبح حساسة أحياناً في الأوساط الاجتماعية والبنية العشائرية الموالية بالعادة للمناكفة. بمعنى أو بآخر، ثمة مبادرة للاقتراب قليلاً، لكن في الإطار العملياتي والبيروقراطي والدستوري، من تلك الإجابة التي لفت المعشر النظر إليها، وعلى أساس انغماس طاقم رئيس الوزراء الحالي الدكتور بشر الخصاونة بهوس قصة التقدم بمشروع واضح لدى الأمريكيين والأردنيين معاً، يصلح لتقديم نموذج يعيد تجديد الدور والوظيفة ويحقق المصالح.
الخليط عبر مجلس الأمن القومي هو نتاج، وهذا ما توثقت منه «القدس العربي» لحالة عصف ذهني في مؤسسات القرار العميقة، تحاول تخفيف حدة التجاذبات والصراعات وزحام التصورات والأجندات داخل مؤسسات الدولة. ثمة في السياق تفاصيل كثيرة ومعقدة من الصنف الذي يسترخي وسطه الشيطان.
لكن ثمة، على الأقل، محاولة اليوم لتجريب مزيج أو خلطة جديدة تجمع المستوى السياسي والأمني والسيادي والدبلوماسي معاً تحت سقف واحد، على أمل تجنب الفوضى وتقديم مشروع ما للأمريكيين ولغيرهم يظهر الدولة الأردنية في مئويتها الثانية وكأنها مرنة ومنفتحة نحو التطور والتنويع في مصادر المرجعيات.
بالتالي، الحكم على ذلك المزيج المقترح الآن باعتباره مشروعاً كاملاً وناضجاً يظلم التجربة، والظلم نفسه سيتكرر إذا ما أصر البعض في الخارج أو الداخل أو كليهما على التعاطي مع المشروع نفسه باعتباره مجرد محاولة هندسية جديدة غير جادة، أو مجرد وصفة لتوسيع صلاحيات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق