اراء و مقالاتمقالات وآراء

الأردن: نقابة المعلمين «تجذب» الغاضبين والمعارضين والحراكيين

«كل موظفي القطاع العام» وجبهة الرئيس عبيدات على الخط

مساحة التعقيد باقية وتتمدد.. هذا هو المشهد اليوم في الحالة الأردنية مع انعدام الخيارات والسيناريوهات عندما يتعلق الأمر بالأبعاد الأكثر من حساسة التي انتهت إليها واقتحمتها أو أنتجتها أزمة المعلمين.
ليس سهلاً على المراقبين لمناخ التصعيد بين مؤسسات الحكومة الأردنية وأضخم شريحة نقابية في البلاد قراءة الخبر الذي ينشره القائم بأعمال نقيب المعلمين ناصر النواصرة عن لقاء حصل بين النقابة والجبهة الوطنية المثيرة أصلاً للجدل برئاسة شخصية مهمة وكبيرة من وزن رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيدات.
الجبهة التي أسسها عبيدات قبل أربعة أشهر وانسحب منها فجأة بعد خلاف نظيره طاهر المصري، تعود بعد كسل وخمول وتجاذبات داخلها إلى الواجهة بخبر ينشره الرجل الأخطر في الشارع الأردني اليوم وقائد حراك المعلمين الإسلامي ناصر النواصرة.
النواصرة أصبح عنواناً شهيراً للأزمة ولحلها وفي غضون أسبوع واحد فقط. الأهم في هذا «الأخ المسلم»، الذي يقود نقابة المعلمين اليوم، أنه يصرح علناً بعدم اهتمامه بحل جماعة الإخوان المسلمين أو بقائها، فالجهد له علاقة بكرامة المعلم الأردني فقط. والأكثر أهمية وحساسية أن جبهة وطنية، لها ما لها وعليها ما عليها، بتوقيع الرئيس عبيدات، قررت مصافحة نقابة المعلمين والنواصرة حتى ولو تحت عنوان البحث عن سلم للنزل عن الشجرة.

حركة النواصرة ورفاقه في النقابة لا تقتصر على الرسالة العميقة والخبيثة في مسألة التواصل مع جبهة عبيدات، فتغريدات الرجل المتواصلة تتحدث عن تضامنات وطنية كبيرة مع المعلمين الأردنيين من شرائح عديدة في المجتمع، من بينها رؤساء بلديات وعشرات من أعضاء البرلمان والوسطاء، ومن بينها حراكات شبابية وعشائرية ومناطقية.
بمعنى آخر وبسيط ومباشر، يحصل فعلياً وعلى الأرض «المحظور الرسمي والأمني»، فنقابة المعلمين بدأت تجذب الجميع، وحراكها المطلبي المعيشي البسيط مالياً أصبح عنواناً لمناكفة الدولة أو معارضة الحكومة والبرلمان، والقصة تتجاوز الجزئية المتعلقة اليوم بعلاوة المعلمين باتجاه شرائح ومكونات نخبوية وسياسية واجتماعية بدأت توجه رسائلها للدولتين العميقة والسطحية.
يتغذى انجذاب الرأي العام للمعلمين ونقابتهم وقيادتها يومياً، ومنذ الخميس الماضي، على سلسلة من الاتجاهات والقرارات الحكومية الاستفزازية، وعلى استعصاء في الحيلولة دون امتداد حركة المعلمين إلى بقية المساحات التي كانت مغلقة.
ويتغذى أيضاً على عناد الحكومة وعثرات رئيسها الدكتور عمر الرزاز وسيناريوهات التصعيد الرسمي التي تتسرب، مثل حل مجلس النقابة أو تدابير تجبر المدارس على فتح الصفوف صبيحة بعد غد الأحد.
كما يتغذى على ضعف هامش المناورة أمام وزير التربية والتعليم الدكتور وليد المعاني، وعلى غياب واضح للمتهم الأبرز بالتصعيد وزير الداخلية القوي سلامة حماد، الذي قرر الرزاز ابتعاده عن الإعلام، ولو مؤقتاً، لأن الشارع في نطاق المعلمين يربطه بالخشونة الأمنية التي قمعت اعتصام الخميس الماضي.
يعني ذلك أن التصرف الخشن أمنياً، وضعف مبادرات الاختراق حكومياً، عناصر بدأت تخدم نجومية نقابة المعلمين، حيث تتدحرج القضية اليوم باتجاه مساحات لم تكن مطروقة سابقاً.
بين تلك المساحات وأهمها.. ذلك الخطاب في فروع نقابة المعلمين بالمحافظات الذي يتوعد نواب البرلمان الحالي بإسقاطهم شعبياً كما حصل في فرع مدينة المفرق، حيث أكثر من ثمانية آلاف معلم أعلنوا وضع قائمة سوداء باسم نواب خذلوا كرامة المعلمين.
وبينها أيضاً تلك المساحة التي بدأت تطالب برفع رواتب جميع موظفي القطاع العام، أو التي بدأت تناقش في الرواتب الكبيرة والضخمة للوزراء والأعيان والنواب وكبار المسؤولين. أو حتى الدعوات لربط رواتب الكبار مثل الصغار بمستوى الأداء والتقييم.
تلك فوضى عارمة في المشهد الداخلي تدل على الحاجة الملحة إلى إصلاح هيكلي وإنقاذي على مستوى أداء المسؤولين والوزراء والحكومات المتعاقبة، كما قال الخبير الإداري البارز أحمد الرجوب، في ندوة خاصة حضرتها «القدس العربي» ضمن موسم حوارات العاصمة عمان.
في كل حال، ومع غياب المبادرات ورفض جماعة الإخوان المسلمين للتدخل وكلفة السيناريوهات والخيارات التصعيدية من جهة الحكومة يصبح الأمر أكثر تعقيداً، لأن الإشكال هنا متعلق فعلاً بنقابة عريضة وضخمة غير مسيسة وتمثل أفقياً كل مكونات المجتمع وبنيته. وهي أيضاً نقابة لا رأس لها في الهيكل التنظيمي يمكن التفاهم معه أو الضغط عليه سياسياً، وتمثل عدداً ضخماً من أصحاب المهنة يقدرها المجتمع ويتعاطف مع مطالبها التي تشكل بدورها عنواناً لأزمة مالية خانقة في خزينة الدولة.
يتحمل المعلمون هنا كلفة أكبر بكثير من خبرتهم السياسية ووعيهم النقابي. ويتحمل المجتمع برمته كلفة إضراب نجح تماماً في المدارس بأسبوعه الأول، وأجندة مكونات ليست سهلة بالكثافة العددية في شرائح المجتمع تجد صعوبة بالغة اليوم في الدفاع عن خيارات السلطة أو الحكومة. لذلك، تدخل مجموعة عبيدات على الخط.
ولذلك، تغوي النجومية والاستحكام النقيب النواصرة ورفاقه ويجذبهم التضامن الكبير، فيما تصر الحكومة على تجاهل ولو عبارة اعتذار بعد الإساءة أمنياً لكرامة المعلمين في الشارع يمكن أن تسحب فتيل أزمة.
ختاماً، هذا وضع مربك للغاية، ويوحي بأن الشكوى المعيشية على مستوى القطاع العام قد تتفاعل لاحقاً، كما يوحي بأن أزمة المعلمين أصبحت وطنية وبصيغة تبرر أن يحاول معارضون ومناكفون ركوب الموجة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق