اراء و مقالات

الأردن واتفاقية «إبراهام»: ما سبب «الفتور» والالتزام بـ«نص متحفظ»؟

عمان وسياسة «ابتلاع اللسان» مؤقتاً مع إلقاء الضوء على «ما ستفعله إسرائيل» بعد «الهدية الإماراتية»

لأسباب مفهومة طبعاً ودوماً، يقرر وزير الخارجية الأردني وبعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عما سمّاه بـ «اتفاق إبراهام» البقاء في «مسافة آمنة ومتوازنة» وخالية من «البهرجة» وفيها قدر من «المجاملة». خلافاً لكل بيانات وصياغات محور «الاعتدال العربي» وقف الأردن -عندما تعلق الأمر بالاتفاق المعلن بين أبو ظبي وتل أبيب- عند «بيان متحفظ» يتحدث فيه عن السلام أكثر من الإشارة إلى الاتفاق الجديد.
فقد صدر الموقف الرسمي الأردني بتوقيع الوزير أيمن صفدي المقرب في كل حال من أبو ظبي، وبصيغة تتحدث عن «أمل محتمل في آثار» ما أعلن وليس عن الاتفاق نفسه. قال أن أثر الاتفاق بين دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة وإسرائيل إقامة علاقات طبيعية على جهود تحقيق السلام، سيكون مرتبطاً بما ستقوم به إسرائيل.
ووضع الصفدي المسألة بين الاحتمالات، قائلاً: إن تعاملت معه -يقصد الاتفاق- إسرائيل سيكون حافزاً لإنهاء الاحتلال وتلبية حق الشعب الفلسطيني في الحرية والدولة المستقلة القابلة للحياة وعاصمتها القدس المحتلة على خطوط الرابع من حزيران 1967 وستتقدم المنطقة نحو تحقيق السلام العادل، لكن إن لم تقم إسرائيل بذلك فستعمق الصراع الذي سينفجر تهديداً لأمن المنطقة برمتها.

عمان وسياسة «ابتلاع اللسان» مؤقتاً مع إلقاء الضوء على «ما ستفعله إسرائيل» بعد «الهدية الإماراتية»

ولوحظ في الأثناء أن بيان الوزير الأردني يتباين نسبياً، خصوصاً في الحماسة مع الموقف المعلن بتوقيع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وبقدر من «الفتور» قياساً بالتصفيق البحريني، ولاحقاً لموقف سلطنة عمان.
لذلك سبب سياسي ودبلوماسي في كل حال، فالسعودية مالت إلى «الصمت» وعمان قد لا تكون بصورة «أي تفاصيل» والنخبة الأردنية المتحمسة للسلام لاحظت منذ أن بدأت أزمة كورونا أن الأردن -وخلافاً لما كان عليه الأمر طوال عقود- بدأ «يستعين» في أبو ظبي لإيصال رسائل لإسرائيل وليس العكس.
عاهل الأردن كان في أبو ظبي قبل أيام، وأغلب التقدير أن الشريك الإماراتي بحث معه مستجدات مسألة مشروع الضم الإسرائيلي تحديداً، الذي يعتبره الأردن تحدياً «محرجاً».
النمو غير الطبيعي للعلاقات بين إسرائيل وأطراف في منظومة «الخليجي» العربي كان دوماً يثير الارتياب الأردني. والانطباع اليوم الذي يشير إليه الباحث السياسي الدكتور عامر سبايلة، وهو يستعرض الملف مع «القدس العربي»، يشير إلى أن الحاجة ملحة لإعادة قراءة التحولات الدراماتيكية في المنطقة والحرص على أداء دبلوماسي يبقي عمان في منطقة التأثير والمناورة قياساً بالعلاقات الإقليمية؛ حرصاً على البقاء على الطاولة، وعلى أساس «قراءة الواقع الموضوعي» بحرفية.
لدى السبايلة وغيره من مراقبي «القطيعة» بين الأردن واليمين الإسرائيلي ملاحظات دوماً تحذر من «ترك الملف» للآخرين. وهو ما حصل على الأرجح مؤخراً؛ عندما أخفقت الدبلوماسية الأردنية بالتوقع والتعمق والمناورة، حتى شاهد الجميع عمان -لأول مرة في تاريخها السياسي الحديث – «تطلب المساعدة» من أبو ظبي في مسألة تخص ملعباً كانت تتراكم فيه الخبرة الأردنية في الماضي وله علاقة بالصراع العربي الإسرائيلي.
قبل الاتفاق الإبراهيمي المشار إليه، كانت البوصلة الأردنية وفي كل الاجتماعات المغلقة وغير المغلقة «تتحفظ بشدة» على «الاختراقات المثيرة» التي يحققها اليمين الإسرائيلي في مساحات التطبيع العربية ومجاناً بعيداً عن المبادرة العربية، وبدون تنسيق.. لا مع عمان ولا رام الله، وبدون ثمن بالمقابل.
اليوم، وقعت الفأس بالرأس، على حد تعبير سياسي من وزن طاهر المصري. والتحفظ لم يعد منتجاً، لأن عمان اتفقت مبكراً مع أبو ظبي على تسريع الجهود لـ»تأجيل مشروع الضم» على الأقل دون أن يعني ذلك أن عمان كانت تقدر بأن علم إسرائيل سيضيء على برج خليفة بالتوقيت الحاصل، الذي يبرر ردة الفعل الفلسطينية الرسمية ثم مستوى الفتور الذي ظهر في البيان الأردني وعلى مسطرة مشاركة الأردن «الرمزية» في مؤتمر البحرين الشهير.
يسود «اعتقاد خاطئ» بأن الأردن يؤيد تلك «الاندفاعة التطبيعية» بين أطراف في الخليج المنقسم واليمين الإسرائيلي… «ذلك خطأ بصري» حسبما قال لـ «القدس العربي» مسؤول أردني بارز ومطلع اعتبر أن مشروع الضم أصلاً «ترنح» للغاية قبل التطور الأخير، ولم تكتب له النجاة مؤقتاً، ونتنياهو سيواجه صعوبات بالغة في تشكيل حكومة «قادرة على الصمود». لذلك، حفل البيان الأردني بملاحظات تلفت النظر، لأن إسرائيل بعد «التسمين الإماراتي» الذي حصلت عليه، هي التي ستراقب وعليها «تثبيت» خطوات التراجع التام عن مشروع الضم وتغيير الأداء والخطاب في عمليتي السلام والتفاوض.
بمعنى أوضح، لا تريد عمان منح الاتفاق الأخير «تفويضاً شاملاً» أو «شيكات على بياض»، وإن كان لأسباب تتعلق بصعوبة التباين مع دولة مثل الإمارات يقول الأردنيون إن علاقاتها بها تحالفية سياسياً ومهمة جداً اقتصادياً بسبب استمرار وجود أو عدم ترحيل أكثر من 200 ألف أردني يعملون في تلك الدولة. وكذلك بسبب الحرص على التعاون المالي والاستثماري معها بدلالة 300 مليون دولار دخلت الخزينة الأردنية العام الماضي، وعملية دعم وتنسيق على أكثر من صعيد في المنطقة.
عمان دبلوماسياً «تبتلع لسانها»، وتلجأ تكتيكياً بعد التحول الإماراتي المعلن الأخير إلى جملة تستبعد «الفتوى» بشأن القفزة الإماراتية، وتتجنب إغضاب ترامب أو أبو ظبي، وتلقي الضوء على ما سيفعله الإسرائيليون بعد تلك «الهدية».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق