اراء و مقالاتمقالات وآراء

الأردن والانتقال المقلق بين حكومتين: رسائل «ملغزة وعميقة» في المواجهة بين «العرف الدستوري» ووقائع الوباء

: لا تبدو مقاربة مألوفة ومعتادة… تستقيل الحكومة في الأردن وتصدر موافقة لفظية على استقالتها ملكياً ثم تكلف نفس الحكومة بتصريف الأعمال ضمن سلسلة خطوات في الاستحقاق الدستوري، فيما البحث يتواصل عن رمز جديد يكلف بتشكيل وزارة بديلة.
يحصل ذلك لسبب ما وجيه وعميق على الأرجح في الأردن، ويحصل بالرغم من الضجة المثارة تحت عنوان أولاً تأخر حكومة الرئيس الدكتور عمر الرزاز في الاستقالة بعد حل مجلس النواب. وثانياً التأخير المنهجي المقصود على الأرجح في تكليف شخصية جديدة خلفاً للرزاز.
وثالثاً، تخصيص فسحة من الوقت تحت عنوان تصريف الأعمال تحت ضغط ووطأة البعد الاقتصادي وانتشار الوباء كورونا والتحديات التي تثيرها التداعيات هنا، لأن الاقتصاد الأردني نجح في المواجهة الأولى مع الفيروس في الاحتواء واستيعاب النتائج، والصمود في وجه الضغط الاستثماري والمالي بالتنسيق مع المؤسسات المالية للدولة، كما تحدث في نقاش مع «القدس العربي» وزير المالية الذي قاد الخطة المالية والاقتصادية بدوره في الحكومة السابقة الدكتور محمد العسعس.

لا توجد «وصفة» في العالم مالياً وفيروسياً للتعاطي مع «الموجة الثانية»

العسعس نفسه، وقبل استقالة حكومته العلنية، أقر بأن المرحلة الجديدة في الموجة الثانية لكورونا ليست سهلة، ولا يمكن التنبؤ بتداعياتها الآن، لكن الجمود والتوقف عن العمل ليس خياراً بكل الأحوال. عندما يتعلق الأمر في السياق الاقتصادي والمالي، يجد المسؤولون في عمان أنفسهم مضطرين إلى التذكير بأن دولاً كبرى ارتبكت مثل الولايات المتحدة والسعودية، وبأن وزراء مالية في دول نفطية مثل الكويت استقالوا من مناصبهم تحت ضغط الأزمة الوبائية والتحدي، وبأن دولاً صلبة وعريقة لا تجد طريقة لإعادة حساباتها المالية بكل بساطة مع الموجة الثانية من الفيروس مثل الحكومة البريطانية أو حتى الإيطالية، حيث لا توجد وصفة جاهزة ومجربة للتعاطي مع الاحتمالات هنا. تلك كانت مساحة لها علاقة بالاقتصاد والمال في تقديرات الدولة الأردنية، لكن التباطؤ أو الزحف في خطوات الاستحقاق الدستوري بهدوء ودون تسرع سلوك غير مألوف في الأردن، فالنصوص حاسمة وواضحة كما يري القطب البرلماني صالح العرموطي وهو يجدد القناعة بأن صيغة تصريف الأعمال بلا غطاء دستوري وعلى حكومة الرزاز أن تغادر فوراً.
لكن المسألة في قياسات البرلماني والوزير السابق والخبير الاقتصادي والسياسي الدكتور محمد الحلايقة لا تقف عند حدود النص الدستوري المحكم، فالأعراف الدستورية أيضاً جزء من التراث الوطني ولها موقعها وإن كانت الثقة كبيرة دوماً بالرؤية المرجعية.
لذلك، يحتار القوم من الساسة، تحديداً في عمان، في قراءة المشهد. ولذلك، تتناثر التساؤلات حول الظروف والاعتبارات التي تطلبت مجدداً بصيغة تصريف الأعمال دون سقف زمني سريع لها، وإن كان المستجد الأبرز خلال الساعات القليلة الماضية، وبعد الجدالات التي أثارتها تركيبة وتشكيلة عضوية مجلس الأعيان، بدأت تتمثل في الانزعاج مرجعياً من النقاش الدائر حول الاستحقاقات الدستورية عندما يتعلق الأمر برحيل الحكومة أو تشكيل حكومة جديدة أو حتى بصيغة تصريف الأعمال.
لاحظت المجسات هنا تحديداً، حتى بعد ظهر يوم أمس الإثنين، أن ناشطاً دستورياً واحداً فقط من الطبقة القريبة من الدولة اعتبر صيغة تصريف الأعمال طبيعية وجزءاً من النص الدستوري المحكم، وهو الدكتور نوفان العجارمة، فيما صمت الفقهاء الدستوريون الآخرون أو اندفع وزراء وخبراء سابقون قانونيون ودستوريون إلى التشكيك العلني بدستورية عدم مغادرة الرزاز لموقعه وفور الموافقة الملكية على استقالته.
الخلاف في الجزئية المتعلقة بالتغيير الوزاري لم يكن إطلاقاً ضمن سياق النقاش العام دستورياً في ماضي الأردن، لكن واستناداً إلى أحد اللاعبين الأساسيين في دوائر القرار ما يحصل ليس عشوائياً أو غير مدروس، بل هو تعبير عن تقدير عميق لا ينتبه له المعترضون أو المشرعون الخبراء للمصلحة الوطنية الأساسية في مرحلة حساسة.
وما يحصل جزء من تركيبة عميقة تحاول إدارة الأمور بصورة محكمة لا تعلي فقط من النص الدستوري المحكم الحاسم على حساب صحة الناس والمواطن والوطن، فالفيروس كورونا عنوان النقاش في كل الزوايا العميقة في دوائر صناعة القرار، والاستحقاق الدستوري -على أهميته الاستثنائية- ينبغي أن لا يحرم البلاد من «خبرة» مطلوبة جداً ولعدة أيام على الأقل توفرت لدى الرزاز في غرفة العمليات، ومرحلة انتقالية سريعة وحساسة بين حكومتين لأسباب فيروسية.
ثمة على الأرجح اعتبارات تطلبت صيغة تصريف الأعمال ليس تمسكاً بالرئيس المستقيل المدلل جداً بالصلاحيات. وثمة اعتبارات لا يلتقطها العامة، وقد لا يلتقطها المتحمسون جداً لاستحقاق الدستوري بالنص المحكم؛ لأن الحقائق والوقائع والبيانات في غرفة العمليات عند القرار وليس في ذهن قنوات التصريح والتلميح أو حتى في ذهن تلك الشرائح المتشددة في مسائل النص الدستوري، مع أن أحداً وفي كل المحطات لم يخالف نصاً حتى الآن بقدر بروز بعض الاجتهاد في خطوات التزامن في العرف الدستوري وليس النص.
طبعاً، ذلك برمته نقاش لا يحفل به أصحاب الصوت المرتفع، ونقاش لا يهتم به من يزاود وسط الناس حتى عندما يمثل ذلك النمط من الجدال الذي يؤشر على أزمة متدحرجة في إدارة الأزمة في المستوى التنفيذي والبيروقراطي.
لماذا وصلت الأمور إلى هذا الخلط بالخطوات الكبيرة، مثل التغيير الوزاري وحل البرلمان؟.. سؤال مهم ومثير للفضول ولشهية الاعتراض.
لكنه سؤال – في رأي دوائر القرار العميقة- ترفي بامتياز وليس في وقته، ويمكن الرجوع إليه لاحقاً وعلى أساس التركيز اليومي على التحدي الأخطر والأهم والمتمثل بإنقاذ النظام الصحي البيروقراطي، وبالحد من الخسائر التي يسببها الوباء حتى عندما يفتقد الجميع للمكاسب.
يمكن القول، باختصار، إن أي عودة للنقاش في جوانب الاجتهاد في العرف الدستوري ممكنة عند الاسترخاء قليلاً، لكن ما يجري مقلق وقد أزعج دوائر سيادية ومرجعية بصيغة قد تؤدي إلى الإسراع بتكليف رئيس جديد للوزراء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق