اراء و مقالات

الأردن والسؤال الحرج: هل تتفق ترتيبات «الداخل» مع تحديات المشروع الإسرائيلي؟… أبو عودة يحذر من «الكمين الأكبر»

نتنياهو يبحث عن «البركة» في القاهرة – عمان

بدت، مع الإعلان عن سيناريو زيارة يقوم بها للقاهرة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، «معلومة مرجحة قد تمهد لحلقة ثانية من السيناريو نفسه وبعنوان «مشاهدة نتنياهو في عمان قريباً».
تصعد هذه التنبؤات في إطار شرعية فلسطينية رسمية تمنح أقدم عاصمتين أقامتا سلاماً مع إسرائيل سيرة من الشرعية في حال صدور ضوء أخضر من الإدارة الأمريكية الجديدة يوصي بالتحدث مع نتنياهو. سألت دوائر أردنية سياسية، في وقت مبكر، عن تفاصيل وسط بروز إلحاح من جهة نتنياهو بأن يحظى بالبركة ويتمكن من التحدث مع المصريين والأردنيين، لكن في القاهرة وعمان، في سياق زيارة رسمية لم تكن ممكنة دون غطاء فلسطيني يعتقد أنه صدر بصيغة الدخان الأبيض عن الرئيس محمود عباس بمجرد زيارته لعمان ثم انتقاله لزيارة القاهرة.

نتنياهو يبحث عن «البركة» في القاهرة – عمان

في كل حال، الأردن لا يزال معنياً بسؤال استفهامي طرح في القنوات الدبلوماسية قبل أي محاولة لمصافحة نتنياهو في العقبة مجدداً: .. ما الذي يريده الرجل بصورة محددة.. ماذا في جعبته الآن؟ طبعاً الإسرائيلي اجتهد لمراوغة الإجابة، لكن الأمريكي ليس لديه أيضاً إجابة واضحة. واستناداً إلى تقديرات خبراء سياسيين، من بينهم عضو مجلس الأعيان وجيه العزايزة، فالبديل عن نتنياهو -إذا ما استمر في الإعاقة على خطى منهجية قديمة مع الرئيس دونالد ترامب- جاهز وموجود، وشهر شباط المقبل ليس بعيداً، وهو الجنرال غانتس بطبيعة الحال.
العمق الأردني لا يريد التورط بتقديم خدمات مجانية من أي نوع لبهلوانيات نتنياهو، خصوصاً في اللحظة التي فقد فيها حليفه المرعب والمقلق دونالد ترامب ويسعى فيها في الأثناء لتجميل صورة حكومته قدر الإمكان أمام سلف الرئيس جو بايدن وطاقمه. والانطباع قوي في عمق المؤسسة الأردنية الدبلوماسية بأن الرئيس عباس ينبغي أن يحصل على ثمن حقيقي في مسألة المستوطنات، والتراجع عن الضم على الأقل، قبل أي تصفيق أو تصفير لاستقبال نتنياهو في القاهرة أو عمان.
لكن ما يبدو عليه الأمر أن الجانب المصري غير معني بالحسابات الأردنية بالدرجة نفسها من الحماسة، وأن السلطة الفلسطينية تريد البقاء على الطاولة أكثر من التصدر في مشهد تعقيدي يمكن أن يثير عليها سخط الإدارة الجديدة في البيت الأبيض، الأمر الذي التقطه الأردن مبكراً وهو يسعى لإقناع عباس بأن العودة إلى الحوار مع الأمريكيين والتنسيق مع العمق الإسرائيلي خطوة كانت موفقة لكنها ينبغي، عند «التكييش» السياسي، أن لا تقف عند حدود رسالة الالتزام التي قدمها اللعوب نتنياهو أو قراره بالإفراج عن بعض المال المخصص للسلطة.
لكي ينفذ الأردن بمصالحه بعيداً عن السيناريو الأسوأ، ولتجنب «كذب نتنياهو» يحتاج إلى رديف وسند قوي في مصر، وإلى تثبيت أقدام السلطة ونخبتها ومقاربة أقل حماسة ولو بقليل في البحرين والإمارات، لموجات التطبيع المجانية مع الإسرائيليين. تحاول المؤسسة الأردنية المناورة والتكتيك على أساس العمل لإقناع جميع الأطراف بالعودة إلى خيار حل الدولتين واستمرار التحذير من الدولة الواحدة.
لكن القارئ السياسي والمفكر الأردني الأبرز لطريقة الإسرائيليين في التفكير اليميني، عدنان أبو عودة، يصر مجدداً وعبر «القدس العربي» على تحذير جميع الأطراف من كذبة محتملة يتم تسويقها بالحديث عن دولة دون سيادة على الأرض، أرخبيلية الشكل، غير واضحة المضمون، والهوية تمنح للفلسطينيين لغطاء دولي على أساس أن المشهد جزء من مشروع حل الدولتين.
يرشح أبو عودة بأن الكمين كبير، والاحتياط واجب، محذراً الجميع وبلاده أيضاً من عدم أو منع قيام دولة فلسطينية، ومن عمق الأيديولوجيا الإسرائيلية الحاكمة، مشيراً إلى أن موازين القوى في النتيجة حتى بعد الرئيس بايدن قد لا تعني شيئاً. تحذيرات أبو عودة كررها بالتفصيل بورقة عمل نشرتها صحيفة الرأي الحكومية أيضاً، وتلك إشارة تعني ضمنياً بأن المؤسسة الأردنية قد تكون منتبهة للتفاصيل، وبأن إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة لا تزال أساساً عميقاً في معادلة مصالح الدولة الأردنية وأمنها الوطني والإقليمي ما دامت الأحداث تغيرت وتبدلت في واشنطن، وما دام طاقم جو بايدن في طريقه للبحث عن مقاربة مختلفة.
لكن مستويات الحذر والانتباه، باعتبارها احتجاجات ملحة وضرورة وطنية في الأردن اليوم، لا تناسبها حزمة الإجراءات التي شهدتها البلاد مؤخراً، خصوصاً على صعيد ترتيبات المشهد الداخلي، حيث سيناريوهات متعددة جميعها سيئ، يتداولها الوجدان في الشارع، وحيث إقصاء وانتخابات تجاذبية وخلطات غير مفهومة نخبوياً من الطراز الذي لا يعني بأي حال أن درجة الانتباه قوية ومتينة، خصوصاً وأن تجاذبات المكونات التي تم تهميشها تفسخ البنية الاجتماعية إذا لم يحصل استدراك.
الأصل أن يواجه الأردن الاستحقاق والمخاطر ببرلمان قوي ومتين وانتخابات نزيهة فعلاً دون خدوش أو ملاحظات، والأصل أن تواجه الدولة الأردنية التحديات بخلايا أزمة تديرها نخب عليمة وعميقة وبعملية إصلاح سياسية وديمقراطية أشمل لا تجري الآن، برأي الرمز الأبرز في المعارضة الإسلامية الشيخ مراد العضايلة، الذي قدر علناً عبر «القدس العربي» عدة مرات، بأن الأردن وطن مستهدف ويحتاج إلى قواعد لعب إصلاحية أشمل الآن أكثر من أي وقت مضى.
لا أحد في السلطة يريد التوقف، لا عند ما يقوله معارض مثل العضايلة في ترتيبات الشأن الداخلي، ولا عندما يحذر منه علناً مفكر سياسي خبير من وزن عدنان أبو عودة. ولا أحد يثق بأن الأردن يواجه السيناريو القادم داخلياً ونخبوياً ومؤسساتياً بجبهة صلبة ومتينة يفترض أن يشارك فيها الجميع وتمثل أفضل ما في منهجية الوحدة الاجتماعية والوطنية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق