اراء و مقالات

الأردن و«الفتنة»… سر الرقم «5»

لا أحد اليوم وبعد الصدمة المؤلمة التي عاشها الأردنيون في السلطة تحديدا يمكنه الإدعاء بأن أجهزة الحكومة عمياء وبأن الواقع مغلق على الفتن لأن المعالجة الحقيقية تبدأ من الأسباب

لا أحد يعرف سر الرقم «5» بعدما استعمل أكثر من مرة في سياق الحديث عن الفتنة الأخيرة في الأردن.
في إطار الخماسية إياها لا بد من التوقف عند «خمسة» مكاسب كبيرة تحققت للدولة والنظام والأردنيين، رغم أن الإفصاح الرسمي تراوح في مفردة التعريف ما بين «مؤامرة « أو «مخطط» و«فتنة».
إحترام قرار القضاء والسياق القانوني يدفع باتجاه ترك التسمية التعريفية لسلطات القضاء النزيه.
قلناها سابقا ونكررها: أجمل رواية وأصدق حكاية تسقطان فورا في اختبار المصداقية عندما يكلف موظفون بـسردهما.
صدقا كنت أتمنى شخصيا، لو أن الحكومة الأردنية أدارت الأزمة الأخيرة إعلاميا على الأقل بطريقة أذكى وأكثر عمقا، لكن لم يحصل وتلك دوما قصة أخرى، فالمعادلة صفر ترافق للأسف الإعلام الرسمي المركوب تارة، والمرعوب دوما، ويحمل معه بين الحين والآخر عند المنعطفات حتى الإعلام الخاص.
على كل حال نعود للمكاسب الخمسة، وأهمها وأولها برأيي، إذا صدقت النوايا وكانت المصلحة الوطنية العامة هي الأساس في الفعل والانفعال، أن صاحب ومركز القرار اليوم وأجهزة الدولة لديهما صورة عميقة ومفصلة وبانورامية في الواقع عن كل مظاهر الإخفاق الرسمي والنجاح أيضا هنا أو هناك.
أهم درس علمتنا إياه كأردنيين الفتنة الأخيرة أن الشمس لا يمكن تغطيتها بالغربال، وأن إنكار المشكلات والتحديات لا يمكنه أن يكون الحل يوما، والأهم في الدرس نفسه أن القفز على وإلى النتائج دون تأمل الأسباب أسوأ وصفة جاهلة للإدارة العليا، وهنا يتساوى الحمق البيروقراطي مع الجهل الوطني في الوصول إلى نفس نتائج المؤامرة والفتنة.
لا أحد اليوم وبعد الصدمة المؤلمة التي عاشها الأردنيون في السلطة تحديدا، يمكنه الإدعاء بأن أجهزة الحكومة عمياء، وبأن الواقع مغلق على الفتن، لأن المعالجة الحقيقية تبدأ من الأسباب.
ذلك مكسب كبير ونكرر سيكون كذلك فقط إذا حسنت النوايا ونفترض أنها كذلك.
المكسب الثاني ينتحل أيضا صفة درس عميق يفترض أن تتعلمه السلطة بعد ذلك، فالثقة الزائدة ببعض الرموز قد تنتهي بفتنة، والصلاحيات المطلقة لبعضهم الآخر تعود بكارثة، وتكلس مفاصل الرقابة على أداء النخب يعيش الجميع نتائجه اليوم، ولم تعد البلاد تحتمل كلفة الاصرار على التمسك بآليات النهج القديم في اختيار من يسرحون ويمرحون في البلد أو في الإقليم، باسم دولة يؤذيها اليوم رموزها وليس المختلفين معها أو المعارضين الوطنيين لبعض توجهاتها.

لا أحد اليوم وبعد الصدمة المؤلمة التي عاشها الأردنيون في السلطة تحديدا يمكنه الإدعاء بأن أجهزة الحكومة عمياء وبأن الواقع مغلق على الفتن لأن المعالجة الحقيقية تبدأ من الأسباب

ذلك أيضا مكسب بحجم الصدمة أما المكسب الثالث فيرتسم على شكل مناورة بالذخيرة الحية تظهر حجم الأردن الحقيقي، لا بل أيضا حجم قيادته في المجتمع الدولي والإقليمي، فالجميع مهتم والجميع يساند والمتضامنون أكبر بكثير من المتآمرين الصغار، أما الفشل والإخفاق في استثمار هذا الوضع أو «تكييشه» سياسيا، فهو أردني نخبوي بامتياز.
المكسب الرابع لا يتعلق فقط بالاكتشاف الأمني للمؤامرة على أهميته، بل بتقديم أدلة وبراهين على أن الدولة عليها سد الثغرات، وعليها الإنتقال من مستوى التحدث عن الشعب إلى مستوى التحدث معه، فقوانين الفيزياء تحكم المتألمين، ومن ينجح بصرف النظر عن هويته وخلفيته ودوافعه في الوصول لقلوب الأردنيين حجة على من يخفق في الوصول لها.
وبالتالي حجة على تلك الأدوات الرسمية التي تم تسمينها بحيث تعملقت وتوسعت في إنتاج الولاء اللفظي والوهمي المسموم على حساب الولاء الحقيقي الوطني الصادق والذي يظهر معدن الشعب الأردني.
المكسب الخامس له علاقة بواقع أن مشاعر القلق عند الأردنيين اليوم ستدفع باتجاه نبذهم لأي إعتراض أو حراك أو شغب من أي نوع، وهو ما تستفيد منه السلطة، وإن كان أمامها خياران هنا، الأول «توظيفي» فقط ويخلو من العمق ونتائجه ستكون أسوأ من الفتنة نفسها.
والثاني اشتباكي وتفاعلي يقرأ المشهد بعيدا عن الرغبة الأمنية فقط في التوسع والمنع والقمع.
ثمة خسائر خمس كبيرة في السياق نفسه، أولها وأبرزها وبكل صراحة، أن العالم بدأ يسلط الضوء على الأردن بكشافات الإعلام وفي إتجاهات قد لا تكون مناسبة للدولة والناس، وثانيها أن ملف الحريات العامة والإصلاح السياسي تحت كل الأضواء الساطعة الآن.
والخسارة الثالثة، بناء حالة نفسية سيكولوجية في المجتمع عن وجود متآمرين كبار أو حتى بدلاء بصورة لم ترق يوما إلى مستوى الخيال، وهي عملية ساهمت فيها بكفاءة البيانات الرسمية التي كانت مضطربة وتفتقر إلى المهنية والعمق وتتعاكس في بعض التفاصيل مع بعضها.
والخسارة الرابعة تشير إلى أن كلفة فاتورة الإصلاح والحريات زادت، حيث يجب عدم الرهان على ما يمثله إغواء المجتمع الدولي، أما الخسارة الخامسة وقد تكون أهمها، فإشارة في الواقع من الصعب إنكارها على أن أحوال البلاد والعباد ليست بخير، وعلى أن السلام مع إسرائيل عبء على الدولة والنظام وليس الشعب فقط.
هل نقرأ خسائرنا ومكاسبنا بصورة أعمق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق