اراء و مقالاتمقالات وآراء

الأردن والمال «الأسود والمغسول»: من «يراقب المراقبين»؟… وزير «مالية» وسط «عش دبابير»

 

يبدو أن «المهمة» تحظى بكل الأغطية السياسية والأمنية، و»ستطول» فعلاً، وتحتاج إلى مزيد من «الكوادر» المؤهلة المدربة على «التحقق الضريبي».
هذا ما يمكن فهمه من المذكرة التي وجهها وزير المالية الأردني الدكتور محمد العسعس لمجلس الوزراء، يطالب فيها السماح له باختيار ثم تأهيل وإلحاق «100» موظف على الأقل بعد نقلهم لطاقم التحقق الضريبي.
العسعس، وكما أبلغ «القدس العربي» في وقت سابق، لم يتجه نحو «عش الدبابير» ولم يفتح ملف «التهرب الضريبي» قبل الإشراف شخصياً على برنامج تأهيل خاص لبعض موظفي الضريبة الخبراء، في الوقت الذي تتسرب فيه بين الحين والآخر تأويلات غير حاسمة حول «الجهة» التي تقود مداهمات ضريبية في الواجب الأمني والفني وبعد ضوء أخضر ساطع تضمن «رسالة» لكل «كبار السوق» من المتمتعين سابقاً بمظاهر الكرم والسخاء والإعفاء الضريبي.

السخاء الضريبي «إلى الوراء در» والشارع لا يريد التهرب من التحقيق مع الذين سمحوا بالتهرب

الحد كثيراً من التسامح والسخاء الضريبي هو «مطلب دولي ووطني» وفقاً للعسعس، وطلبه المزيد من الموظفين ضمن معايير خاصة يعني – عملياً- أن الرهان على الكادر الحالي سلبي وأن العمل سيكون طويلاً.
أحد الوزراء قال لـ «القدس العربي» بأن ما قرر العسعس أن يفعله بالخصوص هو ما كانت حكومات تتهرب منه في الماضي، والخطة تحظى فعلاً بالإجماع ودرست بالتفاصيل مع «كل المؤسسات»، وكانت سابقة لأزمة كورونا وخالية من الغرض «السياسي». في مقايسات الوزير والبرلماني السابق والموجود بقوة في مظاهر الحراك والجمل الاعتراضية، أمجد المجالي، تعد خطوة الاشتباك مع «التهرب الضريبي» ضرورية وإيجابية ومهمة، لكنها لا تكفي للقول بأن الحرب حقيقية وجذرية ضد الفساد.
بصراحة – يشرح المجالي لـ «القدس العربي»- المطلوب عودة «وطنية» لإقرار قانون «من أين لك هذا؟». والمطلوب ليس فقط مطاردة المتهربين ضريبياً، بل التحقق أيضاً من المسؤولين عن توفير غطاء لهم في الماضي خلافاً لـ»الجدية» بعيداً عن «الانتقائية». وناقش المجالي تقريراً سابقاً لـ»القدس العربي» بالتفصيل، واعتبر أن الحملة على الفساد لكي تكون مقنعة ويشارك بها الجميع ينبغي أن تنتقل إلى ما هو أعمق وأبعد من «مداهمات التهرب الضريبي»، فهي جيدة ووطنية ولا يمكن إلا الوقوف معها، لكن الوقوف عند حدودها فقط مسألة تثير الشبهات ولا تجيب عن كل الأسئلة العالقة.
سألته «القدس العربي» : ما المطلوب؟
الإجابة كانت عبر الإشارة إلى وجود «متسترين» طوال سنوات، وتساؤلات حول الكيفية التي سمحت للمتهربين ضريبياً بالعمل لسنوات وتحقيق الأرباح على حساب المال العام، والأهم نريد عملية واسعة وعميقة ضد كل النهابين ولصوص المال العام، وتحقيقات موسعة تطال الجميع حتى تتمكن البلاد من فتح صفحة جديدة فعلاً.
وتلك، في رأي المجالي، دعوة وطنية وليست معارضة ولا مناكفة، وتمتدح أيضاً ما تفعله الحكومة بخصوص التهرب الضريبي الآن.
تخدم مداهمات الضريبة الجريئة منطق «من أين لك هذا؟» بنهاية المطاف رغم كل الملاحظات التي يرددها سياسيون عن «مبالغات درامية أمنية» وعن «خسائر بالجملة» متوقعة في نطاق الاستثمار لاحقاً جراء ردود فعل المتهربين الكبار الذين تلاحقهم اليوم سلطات الضريبة.
لسبب أو لآخر وغير مفهوم أحياناً، امتدت مساحة «التحقيق المالي» إلى مناطق أخرى بعملية واحدة، واضح أنها تحظى اليوم بالغطاء السياسي المرجعي، فالمداهمات لشركات كبيرة جداً في مجال المقاولات والعطاءات والعقارات والتبغ بدأت تلحقها قرارات بـ «الحجز التحفظي» على تلك الشركات في مؤشر على «الجدية» التي يريدها المجالي وآخرون في الصف المنتقد أو الحراكي أو المعارض.
تلك الإجراءات في مجال المداهمة والحجز التحفظي لها تداعيات سياسية، لسبب يعرفه الساسة، تعرقل مسيرة البرلمان الحالي وقد تؤدي إلى حله، ولاحقاً في حالة الحل ستؤدي إلى رحيل الحكومة مع بقاء المواجهة الضريبية ببقاء الوزير العسعس في الحكومة اللاحقة التي ستجري أو يفترض أن تجري انتخابات تحت إيقاع «الحرب على المال السياسي».
يسأل مختصون: من سيقوم بالعمل وينفذ المشاريع في حال تحييد كبار المقاولين؟
الإجابة غائبة، لكن الافتراض بأن الغطاء السياسي لا يعرفها ينطوي على «سذاجة إدارية»؛ لأن عشرات المقاولين مؤهلون في البلاد ولا علاقة لهم بالذمم الضريبية، ولأن الضرائب العامة أصلاً مقطوعة وتخصم تلقائياً من العطاءات الرسمية، حسب توضيح نقيب المقاولين أحمد اليعقوب لـ»القدس العربي»، المصر على أن التشكيك في قطاع مهم وأساسي مثل المقاولين إساءة للوطن حتى في حال وجود أو إثبات «مخالفات».
في السلطة لا ينتبه المعنيون إلى تحذيرات اليعقوب أو غيره من القلقين على «الاستثمار»، وقناعة العسعس ورفاقه في الطاقم الاقتصادي أن الوطن يستفيد من الشفافية المالية، والاستثمار الحقيقي المحترم «يأتي بعدها» وبسببها.
في كل حال، لم يقف الأمر عند محطة مداهمات الضريبة، فاللجنة الوطنية المتخصصة بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب «نشطت «مؤخراً هي الأخرى بقرارات «استعلام»، ودوائر الادعاء بدأت تحجز على الأشخاص والمؤسسات المتهمة بالتهرب الضريبي.
بالتزامن، تعديلات في أنظمة التشريح تمدد صلاحيات هيئة مكافحة الفساد لتشمل حركة المال المغسول التي لا تقتصر فقط على الغسيل التقليدي للمال الأسود، بل تدقق أيضاً في تهريب المال للخارج وتحويلاته لأغراض خارج القانون ودون رقابة سلطات البنك المركزي. وتشمل بالضرورة مال «الرشوة السياسية» بعد تغليظ عقوبتها في الانتخابات.
المفارقة أن العسعس يحاول «تعزيز» الكادر المؤهل للمتابعة معه في معركة حقيقية مع «عش دبابير»، لكن السؤال يبقى عن توفير إرادة بيروقراطية لاحقاً في سياق تعزيز»مراقبة المراقبين» الذين تتطلب وظيفتهم اليوم الالتزام بجوهر ما بعد استقرار مرحلة مكافحة حيتان التهرب الضريبي.
من يراقب المراقبين؟.. سؤال قديم في الأردن والأقدم منه: هل سيحصل التزام رسمي حقيقي بعد الأن بتلك العقوبات التي أضيفت على الرشوة السياسية؟.. وما كلفة ذلك على «نسبة المشاركة» وتقنيات الماضي؟ ويبقى التصور الأولي أن الإجابات لا علاقة لها بالعسعس وما يفعله، وليست مطلوبة منه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق