اراء و مقالات

الأردن وسط «الرمال المتحركة» إقليمياً: لماذا تنشّطت فجأة مشاريع «الطاقة» وارتفعت وتيرة «الإبراهيميات»؟

عمان- «القدس العربي» : يلاحظ «الخبثاء» فقط بين الأردنيين، الارتفاع المفاجئ في وتيرة مشاريع الطاقة منذ عدة أسابيع وبالتوازي مع انطلاق تعبيرات هنا أو هناك، إما لها علاقة بمرحلة السلام الإبراهيمي أو توحي ببعض الفتاوى السياسية الخاصة بالقضية الفلسطينية، لا بل -حصرياً- بالجزء الأردني فيها ومنها، ومن منشأ إماراتي تحديداً.
هل يعني هذا التزامن والتناغم شيئاً محدداً في السياق؟
سؤال تستطيع «القدس العربي» اليوم أن تؤكد أنه مطروح وبقوة وكثافة في تلك الزوايا الحرجة، التي تحاول فهم ما يجري بعد حدوث مستجدين من الصعب الاستهانة بهما. الأول، يتمثل في الاندفاعة الإماراتية الكبيرة نحو التشبيك مع الإسرائيليين بسلسلة مشاريع في مجالي الطاقة والنقل، عبر الأردن. والثاني، بقايا وزوايا الاقتراح الذي تقدم به أحد رجال الأعمال عندما تعلق الأمر باقتراحه تجنيس أبناء الضفة الغربية بالجنسية الأردنية.
عملياً، وعند أي محاولة للإجابة على سؤال مرجعي وموجع، يمكن القول بأن ربط الاندفاعات الأردنية بتصورات محددة لها علاقة بالتحالفات قد ينطوي على مبالغة، فالأردن بلد خبير ولديه مجسات استشعار. و«القدس العربي» سمعت رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة، ملاحظاً على كلفة الاندفاعات الإبراهيمية أولاً، ومؤكداً -ثانياً- بأن بلاده لا تقيم توازناتها بناء على الأوهام.
لكن في المقابل، الخوف يلمسه الجميع وسط جلسات الصالونات الأردنية من تبدلات مباغتة وبإيقاع متسارع في بوصلة التحالف الإقليمي.
علاقات عمان مع أبو ظبي وصلت مؤخراً، وهي تنمو بوضوح إلى زوايا مشاريع البنية التحتية في الإقليم، مما يثير مخاوف طبقة من السياسيين والمثقفين الأردنيين من نظرية التعامل مع الأردن باعتباره فائضاً جغرافياً ليس أكثر. وأسهم عمان جميعها بلا استثناء موضوعة في جعبة الدكتور مصطفى الكاظمي فقط ، عندما يتعلق الأمر بالانفتاح شرقاً مع العراق، وذلك يعبر حتى برأي سياسيين مخضرمين عن أولاً، ضعف قراءة الأردن للعمق العراقي الحقيقي، وتحديداً للعنصر الإيراني المستحكم والمتحكم فيه.
كما يعبر، ثانياً، عن أزمة خيارات في المعادلة العراقية أمام اللاعب الأردني، وهي أزمة تلمسها وتحدث عنها أعضاء بارزون في البرلمان الأردني أمام «القدس العربي» بعد تقييم زيارة وفد برلماني عريض إلى بغداد قبل عدة أسابيع، ومن بين هؤلاء رئيس الوفد عبد المنعم العودات، والنائب أحمد الصفدي، وغيرهما.
الاستثمار الأردني في الكاظمي فقط قد يكون منتجاً، لكنه أيضاً يعاكس حتى تلك التقارير التي تقرأها الدولة العميقة في عمان من أركان سفارتها في بغداد.
والمدرسة السعودية في إدارة الأمور تواجه محنة على صعيد العلاقات الثنائية يقر بها الجميع اليوم، مع أن المدرسة التي تؤمن بعلاقات تاريخية دائمة مع الجار السعودي الكبير لا يمكن الاستهانة بها وسط النخب الأردنية، فهي مستقرة وبدأت تشارك بشغب له علاقة بالتصعيد الشعبوي ضد حمى السلام الإبراهيمي، فيما يعيد الطاقم الذي يدير الملف السياسي في عمان التموقع ضمن معطيات السلام الإبراهيمي على أساس الاشتباك من داخله، مما يبرر حجم التشبيك العميق مع كل من مصر وأبو ظبي.
سمعت «القدس العربي» مراراً هجمات منظمة من مسؤولين أردنيين كبار تحت عنوان مقاومة صفقة القرن.
وسمعت وزيراً بارزاً في الحكومة يقول بأن تلك المقاومة سبيلها الوحيد اليوم هو إنتاج مشروع ونموذج إصلاحي أردني يمكن تقديمه على طاولة الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن.
لكن ما حصل تطوران في اتجاه معاكس؛ فالأردن يدخل بحماسة في منظومة الإبراهميات التي تعدّ جوهر صفقة ترامب وبدون توضيح للملابسات والمراجعات. فيما صوت دبلوماسي عريق ومخضرم هو وزير الخارجية الأسبق ناصر جودة، بخصوص زاوية الاشتباك مع تلك الصفقة وعلى أساس المصالح والمكاسب، هو الذي يبدو أنه يسمع أكثر اليوم برفقة سؤال من وزن «ما الذي كسبناه من مراوغة مرحلة ترامب التي قد تعود؟».
المستجد الثاني هو تلك الملاحظة التي وصلت عمان من واشنطن، وفكرتها «.. ما قدمتوه من تعديلات دستورية مؤخراً ليس إشارة إيجابية حقاً في مسألة النموذج الإصلاحي» وتلك الرسالة عند الغرق في التفاصيل تصرح لا تلمح إلى ملف مجلس الأمن الوطني الأردني الجديد.
في التوازي، وفي الأفق نفسه، التحالف مع مصر قطع طبعاً شوطاً كبيراً ووصل إلى تلك المفاصل المتعلقة بالتنسيق الأمني الحرفي اليومي، لكن مصر مثقلة بهمومها الاقتصادية.
والأهم أنه لا يمكنها أن تكون الحضن الدافئ لأي مكاسب اقتصادية واستثمارية حقيقية تعود على الأردن مستقبلاً، لا بل مصر طامحة بالاستفادة والاستثمار أيضاً من الجغرافيا العازلة بينها وبين العراق، ومهتمة بالاستجابة لوساطة الأردن في التهدئة مع تركيا وقطر، وإن كانت غير مهتمة جداً بمعالجة مشكلاتها المتفاقمة مع السعودية الجديدة.
طريق البوصلة الإقليمية في التحالف الأردني وعرة ومعقدة ومليئة بالكمائن والمطبات. وهي أيضاً مليئة بالكلف والفواتير والخسائر والمكاسب، وبصورة تضغط على العصب الحيوي لخيارات الأقدام الأردنية، وبصيغة قد تؤدي إلى إقرار مبكر قريباً بضعف أدوات التفاوض في مواجهة استحقاقات رمال الإقليم المتحركة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق