اراء و مقالات

الأردن يبدأ «الاحتواء والاستدراك»: بروكسل ثم «حسان» وتجنب «الكمين المخفي»… أين المغامرة أو المقامرة؟

عمان- «القدس العربي»: صعب جداً، خصوصاً في الحالة النخبوية الأردني، إخفاء تلك التهامسات البغيضة أو الحائرة التي يتم تداولها في الأقنية وخلف الستائر بصيغة سؤال: ماذا بعد الفتنة؟
ليس سراً أو لم يعد سراً أن مراكز القرار في المؤسسات الرسمية الأردنية تنكر أصلاً الصعود إلى شجرة في مسألة المؤامرة والفتنة وإن كانت بنفس الوقت وبالتزامن تتخذ إجراءات وخطوات بعنوان النزول عن تلك الشجرة.
وهي خطوات تؤسس لحالة قوامها أن «الأردن يتطلع إلى الأمام، وتلك الفتنة وراء الظهر الآن».

حدث مفصلي

ونفسها خطوات بدأت تعبر عن أن استراتيجية النزول عن الشجرة بدأت بشريحة «المغرر بهم» المفرج عنهم، ثم تواصلت مع زيارة الملك عبد الله الثاني المهمة لبروكسل لدعم مصالح بلاده الاستراتيجية، قبل أن تقف مؤخراً على محطة الاستعانة مجدداً بخبير مثل الدكتور جعفر حسان في سياق نفس أجندة الاستدراك لاحتواء «الضرر الخارجي».
وليس سراً اليوم، وقد لمست «القدس العربي» ذلك مباشرة من مسؤولين كبار في مجلس الأمة ورئاسة الوزراء حصرياً وحتى من مستشارين أساسيين في أطقم القصر، أن عملية تفكيك تجري وتحسب فيها المخاسر والمكاسب بدقة متناهية للسيناريو الذي اختلطت فيه أوراق ملف الفتنة بأكثر من طريقة.
الانطباع قوي جداً بأن أزمة الفتنة تدحرجت من تلك اللحظة التي تبين فيها بأن الأمير حمزة بن الحسين نجح، عبر تكنيك اتصالي بقي غامضاً حتى اللحظة، في تسريب شريطي فيديو ثم تسجيل صوتي بعد زيارة رئيس الأركان الشهيرة له.
ذلك حدث مفصلي في المسألة، لأن معناه ببساطة توقع المزيد من المفاجآت المحتملة، فتسريبات الأمير هنا بعدما طلب منه بهدوء شديد وباسم المؤسسات السيادية توقف المشاغبات والمناكفات، أدت إلى خسارتين كبيرتين، أولاهما في الداخل، وثانيهما في الإعلام الخارجي.
القول بذلك يرقى إلى مستوى تسطيح المسائل في بعض التفاصيل، فالشرعية الدستورية أصلاً ليست برسم الاستفسار، وحراكات المشاغبين جميعاً على الشبكة الافتراضية أغلب الأوقات.
لكن الثابت مسألتان: الأولى أن المطبخ أو الطاقم الذي أدار عملية أمنية محترفة لم يأخذ بحسابه ولم يتكهن بوجود قدرات اتصالية بالخارج أو بوسائل إعلام خارجية عند أي من أطراف الفتنة.
والمسألة الثانية ثابتة أيضاً، فطريقة إدارة الاشتباك أصبحت قيد السؤال الآن، والحكومة نفسها بدأت تقر بمبالغة وبتضخيم في سيناريو المؤامرة انطوى على حسابات أدائية وتكتيكية لم تكن موفقة.
ذلك قد لا يكون مهماً الآن، فالنزول عن تلك الشجرة واضح للعيان، حتى وإن تجنبت الحكومة الاعتراف بالشجرة نفسها. في أقرب مسافة لمجلس الوزراء، وصفت طموحات الأمير حمزة بأنها مغامرة أو مقامرة.

تشبيك

وفي أقرب مسافة من بنية عملية التكييف القانوني للاتهامات هي ملاحظة رصدها صغار المحامين، ففكرة زعزعة الأمن والاستقرار بالرواية الرسمية التي قيلت للجمهور بانضباطية مهنية رفيعة في بيان رئيس هيئة الأركان وبمبالغات درامية غير مفهومة في البيان التالي لوزير الخارجية أيمن الصفدي هي فكرة تكثفت في التشبيك ما بين مجموعة الفتنة التي استغلت طموحات وأوهام الأمير وبين قوى حراك الشارع الموسومة بـ 24 آذار .
المفارقة أكبر قانونياً هنا من أي احتمال لإنكارها، فمن تبقى من متهمي الفتنة في السجن تشير لائحة الاتهام إلى تقويض نظام الحكم وإرهاب المجتمع، بينما تهمة 45 ناشطاً على خلفية حراك 24 آذار هي مخالفة أوامر الحظر الصحي والتجمهر غير المشروع.
يسأل قانونيون هنا: كيف يستقيم التكييف القانوني للاتهامات بعضه مع بعض؟
القصد من السؤال هو التأشير على أن الجسم الأساسي الذي تحرك في الشارع باسم 24 آذار تهمته بسيطة، بينما المحرض طبعاً وفق الرواية الرسمية الحكومية تهمة عقوبته تصل إلى السجن 20 عاماً.
لا يوجد في القضية أصلاً أدلة علنية على الأقل على انتهاء نوايا الجرم بجرم حقيقي في الميدان إلا عند التقاء بنقطة حراك 24 آذار .
تلك تبقى مفارقة، لكن البعد السياسي في المسألة أيضاً إشكاليته تجاوز طبيعة ما قيل للرأي العام الأردني، فعندما يتعلق الأمر بجزئية «التورط مع جهات خارجية أو دول أخرى» في مخطط لإثارة القلاقل في الأردن، لا يوجد ولا حرف واحد في كل الإفصاحات الرسمية ولا فيما سربه المحامون عن المتهمين حتى اللحظة يمكن أن يجيب عن سؤالين صغيرين: من هي الجهات الخارجية تلك؟ وكيف تواصل معها المتهمون ومتى؟
طبعاً، الانطباع بخصوص تعريف الجهات الخارجية يتمركز بدوره حول مسألتين؛ ففي الأولى وبحضور «القدس العربي» قال رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة، بأن مسألة تحديد الجهات الخارجية تخص القضاء.
لكن الخصاونة وغيره من كبار المسؤولين – وهنا المسألة الثانية – يعرفون بأن القضاء يتعامل مع بينات وأدلة بسقف حددته المرجعيات الدستورية مسبقاً وعلى أساس إجراءات ستتخذ بعد انتهاء التحقيق القضائي وفقاً لمعيار مصالح الدولة والناس.
معنى ذلك واضح سياسياً، فسلطة القضاء أيضاً تحكم باسم جلالة الملك وفقاً للدستور وعلى أساس مصالح الدولة العليا والأردنيين.
الاستخلاص هنا أوضح ومرتبط بقدرة الدولة لاحقاً على اتهام جهة خارجية هنا أو هناك، وما فهمته «القدس العربي» من عصف ذهني أعمق سياسياً مع الخصاونة شخصياً هو أن معيار مصالح الدولة أساسي في ترتيبات ما بعد الفتنة.

كمين سياسي جديد

لا يعني ذلك عملياً إلا أن الفرصة متاحة لإخراج العناصر المتعلقة بالجهات الخارجية من مسار هذه القضية.. هنا تتورط السلطات بكمين سياسي جديد؛ لأن خلو البينات من الجزء المتعلق بجهات خارجية يعني قضية مختلفة تماماً في البناء القانوني الدرامي.
ويعني لاحقاً بالتدقيق والتقليب في صفحات الأدلة والبراهين ضمن مسارات القضاء النزيه، مع ملاحظة أن المحكمة التي تتولى الأمور استثنائية وقراراتها قابلة للتمييز.
ومع ملاحظة ما سمعته همساً «القدس العربي» من مسؤول بارز وكبير يؤكد: «على حد علمي حتى الآن، لا يوجد أي دليل قاطع على تورط أي دولة في دعم وإسناد خطة لإثارة القلاقل في الأردن» وهو نفسه المسؤول الذي يرجح بعد عبارته الأولى.. «حتى إذا توفرت أدلة من هذا النوع فمن الطبيعي أن ينقل التعامل معها للقنوات الثنائية مع تلك الدولة أو غيرها».
في ظل هذا الخطاب، يصبح السؤال المطروح بقوة: ما الذي تبقى في ظل كل ذلك من أزمة الفتنة إياها؟
الإجابة محرجة إلى حد سياسي كبير.
وفرضياً ومن باب التحليل، يمكن القول بأن ما يتبقى ترتيب قانوني يخص اثنين من المتهمين الباقين فقط، وهو أسهل إجراء في خارطة معقدة. وثانياً ترتيب هيكلي داخلي يدقق في تفاصيل السيناريو وتضخيمه ويحاسب لاحقاً الطاقم الذي أدار الاشتباك، خصوصاً في الجزء المتعلق بالغفلة أو غياب قيمة الاحتراف، الأمر الذي يعتقد أنه بدأ فعلياً مع استحضار الدكتور حسان وإقالة ثلاثة مستشارين.
أما الجزء الثالث الأهم، فتقييم المشهد الكامل برمته، والتأكد من أن الكمين الحقيقي لم يظهر بعد بهدف تجنبه.
الخلاصة وسط عاصفة الأسئلة بانتخاب إجابة ستتقرر بعدها التفاصيل على سؤال جديد بصيغة: إذا كانت مغامرة ومقامرة بتوقيع شخصيات كبيرة كما وصفها رئيس الوزراء يوماً، فهل هي مؤامرة أم فتنة أم ثرثرة، أبطالها شخصيات مهمة كان لا بد من معاقبتهم حتى لو كانت الفاتورة كبيرة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق