اراء و مقالاتمقالات وآراء

الأردن «يتغير»: الجيش والشعب برافعة ملكية… الحكومة إلى الوراء قليلاً ومجلس النواب لا يفتقده أحد

تطورات متسارعة على بوابة كورونا وصياغات متنوعة للمشهد السياسي

 

لا يبدو المشهد، سياسياً وأمنياً في الأردن، مفتوحاً على احتمالات متعددة؛ فمركز القرار وغرف العمليات في الدولة اتخذت القرار بعد سلسلة عميقة من التشاورات: التحريك الاقتصادي واحتواء الخسائر ولو «بالقطعة» وعلى مراحل وبالتدريج، دون التفريط في أساس المعركة التي تحمل اسم «احتواء الفيروس».
لكل اتجاه كلفة في كل الأحوال. لكن من عمق الأزمة حمل خطاب الملك عبد الله الثاني أساس المعادلة التي يبدو أنها «واقعية وجديدة»، حيث «الجيش والشعب فقط» وهي عبارة تعني الكثير جداً عند التعمق في الواقع. لكن هذا الكثير «ليس وقت الجدال فيه»؛ لأن البلاد في عمق الأزمة ولا أحد مهتم أو ينبغي أن يهتم بالأجندات السياسية مهما كان نوعها، وإن كانت طبيعة الظروف ستؤدي إلى «غربلة» الكثير من الاعتبارات.
مؤخراً، وفي عمق المشهد، ظهرت الملاحظات التالية: طاقم الديوان الملكي ينشط في اتجاه تشكيل «لجان خبراء» من خارج صف النخبة الحكومية ومن القطاع الخاص، ومؤسسة الجيش تشارك في كل التفاصل وتشرف على كثير منها بتوجيهات ملكية واضحة «يرتاح» لها إلى حد بعيد الشارع والمواطن.

خلف الأضواء والكواليس تقوم ثلاثة أجهزة «عسكرية وأمنية» بجهد جبار، زاهدة بكل أصناف الحضور والإعلام.. مديرية الأمن العام بعد «الدمج الموفق» والمسارات «الطبية» عبر جهاز الخدمات الطبية الملكية وسلاح الهندسة الملكي العسكري صاحب الدور الكبير خلف الستارة في سياقات يعرفها البيروقراط. الحكومة أيضاً تعمل وبنشاط وبكل طاقتها لكن في المستوى الإجرائي أكثر من مستوى صناعة القرار نفسه، وفي مسافة قريبة من تلك القواعد التي أعلى من شأنها دوماً وقبل أزمة كورونا رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز، على أساس «عدم البحث عن حلول جذرية لكل المشكلات» والتركيز على «التعامل مع المشكلة عندما تحصل، مع تجنب الزحام».
وهنا ملاحظة لا بد من توثيقها، حيث توقف الطاقم الوزاري بعد تفكيكه وتحويلة إلى ثلاث لجان قطاعية فقط عن مزاحمة «القوى الحقيقية» التي تعمل في الميدان.
بمعنى آخر، «تراجعت» الحكومة قليلاً عن محور القرار وعن الظهور الإعلامي وعن القرارات الإجرائية الارتجالية، وتطور برعاية ودعم وإسناد من المؤسسة العسكرية مفهوم الاستقصاء الوبائي، وزاد نفوذ لجنة الوباء الوطنية صاحبة الكلمة التي تسمع غالب الأحيان وليس كلها.
تصدع جدار الحكومة أيضاً مبكراً، حيث استقال مدير إدارة الغذاء والدواء الدكتور هايل عبيدات مبكراً جراء «خلاف صلاحيات»، ثم ترك الميكروفون وزير الزراعة إبراهيم شحاحدة ولم يعين الرزاز بديلاً عنه، في إشارة واضحة الملامح سياسياً، ثم لوح وزير آخر بالانسحاب.
في اجتماع سيادي، وجهت ملاحظة فيها قدر من التوبيخ لوزير كان متحركاً بقوة في المشهد، وطلب من زميل له تخفيف الظهور، وشاهد الرأي العام وزيرين يتراجعان بقوة إلى الوراء، هما وزير العمل نضال بطاينة «مستجدّ تماماً مثل كورونا»، وزميل مخضرم هو وليد المصري وزير ما يسمى بالإدارة المحلية. الرشاقة والاحتراف والتصرف بحرفية وبسرعة من مواصفات المؤسسة العسكرية الأردنية، ووزارة الصحة تقوم بالعبء الأكبر وتواصل، والحلقات الملكية الاستشارية تناور وتحاور وتضع المتابعات خصوصاً عبر الديوان الملكي، ومركز الأمن والأزمات حيث «جهد علمي دقيق» زاهد بكل المزاحمات للمستشار العلمي الدكتور عبد الله طوقان.
في الأثناء، وجهت رسائل غير قابلة للتلوين في التأويل لمطلقي الإشاعات على المنصات ولوسائل الإعلام غير المنضبطة، والتقط بعض تجار الإعلام الرسالة، وتقلصت مساحة التجاذب على حساب المصالح الوطنية.
الأكثر أهمية أن كل التفاعلات الحساسة والعميقة في محطة كورونا حصلت ولا تزال تحصل، ولا وجود من أي نوع وطنياً أو سياسياً أو حتى في السياق الشعبي لـ»مجلس النواب». لا أحد «يفتقد» النواب، لا في السلطة ولا في الشارع ولا حتى ناخبيهم، حيث لا استعراضات ولا ميكروفونات، وحيث الآذان تبحث عن صوت وزيري الصحة والإعلام والناطقين العسكريين وشباب لجنة الأوبئة فقط.
غاب أيضاً الحراك الشعبي ومطالبه بكل تصنيفاتها، و»صدح» أحياناً صوت المشاغبين والمناكفين غير المؤثرين باسم «معارضة الخارج»، وتقلصت حصة المستمعين لهم بصورة واسعة قبل أن تلوذ المعارضة المهمة والمؤثرة على الصعيدين الفردي والحزبي بقواعد «الصمت» وموانع أي تحرش بالخطة الوقائية التي تنجح ومن المرات النادرة في إقناع الناس وتحقيق «نتائج».
الأردن عموماً، بهذا المعنى، غيرت كورونا في أولوياته وستفعل أكثر بعدما ينقشع الغبار ويتعامل الجميع من الاستحقاق الأهم، وهو «التأثير الاقتصادي»، حيث تحذيرات بالجملة من «السيناريو الأسوأ» الذي يجتاح بدوره كل دول العالم ولا يمكنه أن يشكل حجة من أي نوع ضد المشروع الأردني الوطني في مواجهة كورونا بإمكانات مالية، صحيح أنها قليلة لكن «عقلية» ومن النوع الذي مارس الأردني مراراً لعبة الحنين والشوق إليها.
..نعم الأردن «يتغير»، ويعيد أهله اكتشاف الوقائع، والفيروس قد تنطبق عليه مقولة تحويل «الأزمة إلى فرصة».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق