اراء و مقالاتمقالات وآراء

“الإصلاح السياسي” الملف المنسي في الأردن: تضخم في “التوقعات” أم إصرار على “أنيميا” التنشيط؟

 

هل يوجد أساس للفرضية التي تقول إن ملف “الإصلاح السياسي” في الأردن قد يصعد للواجهة قريبا ولو جزئيا بعد الترتيبات النخبوية الأخيرة في طاقم الإدارة الأمريكية الجديد؟

شريحتان من النخب الأردنية تطرحان بكثافة هذا السؤال.

الأولى تلك المعنية فعلا بالإصلاح السياسي والذي ترى فيه أولوية دوما لا بل حبل نجاة لإعادة إدماج وإنتاج المشهد الوطني على حد تعبير السياسي الإسلامي مروان الفاعوري، والذي يعيد التأكيد مجددا وأمام “القدس العربي” على ان احتواء التشنجات وترميم التصدعات في السياق الوطني متطلب واحتياج مفصلي مرحليا لا يمكن تجاهله.

عند الترجمة يعني الفاعوري بأن العبور بملف الإصلاح الأساسي ليس حاجة ترفيه أو مسألة موسمية يمكن الاستغناء عنها.

 في عمق هذه الشريحة حزبيون وسياسيون وإسلاميون ونقابيون، وفيها أيضا نخبة من رجال الدولة الذين يقدرون ويقررون بأن الادعاء بنضج ملف الإصلاح السياسي وإغلاقه يراكم الأزمة الذاتية ولا يعني شيئا بالمقابل، مع أن سياسيا كبيرا من وزن الرئيس طاهر المصري وفي خطابه المنشور مؤخرا تحدث عن شمولية الإصلاح من دون ذكر الجزء المتعلق بالإصلاح السياسي حصريا كما لاحظ أحد المقربين منه.

 قد يكون المصري فعل ذلك سهوا أو قصدا؟

 لكن الأهم من جهته وكما فهمت أيضا “القدس العربي” ان عدد الغاضبين والمحتقنين في المجتمع يزيد ويتوسع أفقيا في مؤشر مقلق يعني ضرورة التوقف مجددا والتحدث وطنيا بصراحة.

أما رئيس الوزراء الأسبق والمخضرم عبد الرؤوف الروابدة، فلم يتطرق في آخر ظهور عمومي له على هامش إشهار كتابه الجديد للإصلاح السياسي، والمفارقة انه لم يتطرق أيضا لمقولته الشهيرة التي كان يعتبر فيها الأولوية لإصلاح الإدارة قبل أي اعتبار آخر.

في كل حال بعيدا عن أسماء الشريحة النخبوية التي تقترح العودة لمربع ملف الإصلاح السياسي اليوم بدأت تهجس وتهمس في المجالسات.

تقابلها شريحة أخرى تؤمن بأن الدور الذي يفترض ان تلعبه المملكة إقليميا وسياسيا وفلسطينيا في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة، لا يفترض عودة التجاذب والنقاش مع الأردن أمريكيا تحت عنوان الإصلاح السياسي.

الأولوية بالنسبة للأردنيين كما يقدر ويرى القطب البرلماني خليل عطية مثلا، هي فرصة العمل والرزق والمعيشة والوضع الاقتصادي، والأولوية للوضع الصحي وتلك مؤشرات واضحة في اتجاهات المواطنين حسب الطريقة التي يرصد فيها النائب عطية مع تقديره لأن الإصلاح السياسي أيضا مهم وضروري.

تفاعل النقاش بين الشريحتين أكبر من أي امكانية لإنكاره مؤخرا، ولذلك سبب في طبيعة الحال. فالتوقعات قد يكون مبالغ فيها بعد استعانة الرئيس الأمريكي جو بايدن بشخصيات في طاقمه كان لها مطالبات في الماضي بتفعيل الإصلاح السياسي في الأردن تحديدا، وكانت لها مبادرات في التحاور مع المعارضة الإسلامية ولديها ملاحظات على الأداء الرسمي وسجلها في الاشتباك الدبلوماسي حافل بالدعوة للإنصاف الاجتماعي في الأردن.

 ليس سرا ان تلك المبالغات الدرامية القليلة تصدرت وسط سياسيين وإعلاميين في عمان بمجرد الإعلان عن وليام بيرنز السفير الأمريكي الأسبق في عمان رئيسا لجهاز الاستخبارات الجديد.

 وليس سرا ان الصداقات وعلاقات بيرنز بنخب إصلاحية أو ليبرالية في الأردن كانت مثارا للنقاش والتوقع والتكهن طوال الأسبوعين الماضيين بدون توفر قرائن وأدلة على ان النسخة الجديدة من بيرنز كرجل استخبارات بخلفية دبلوماسية يمكنها ان تستعيد تراثيات الماضي، أو يمكنها التأثر بآراء أصدقاء وحلفاء أردنيين في الضغط على العصب الحيوي لملف الإصلاح السياسي.

 حجم التفاؤل عند رموز ودعاة الإصلاح في الأردن تضخم فجأة وقد يراهن على مجرد سيناريو ليس بالضرورة ان يلتزم بيرنز أو غيره به، فعندما يتعلق الأمر بالأردنيات تحكم العلاقات المؤسسية.

وعندما يتعلق الأمر بالدور الأردني المفترض، قد يبدل ويغير بيرنز في أقواله بما فيها تلك التي أشار لها المفكر السياسي عدنان أبو عودة وهو يتحدث لـ”القدس العربي” ووردت في كتاب بيرنز نفسه حول بعض الزوايا في الاشتباك الإصلاحي قبل عشرين عاما مع الأردن.

 قد يبدل بيرنز في انحيازاته وقد يهتم ولو قليلا بمجاملة دعاة الإصلاح السياسي في عمان، لكن ليس بالضرورة انه في موقع الضغط بهدف التغيير الجذري، فالاعتبارات التي منعت الإصلاح السياسي أردنيا في الماضي لا تزال نشطة.

 لا بل زادت تعقيدا مع المظلة التي يوفرها فيروس كورونا ومشكلاته لكل من يعتبرون في المؤسسة الأردنية بأن الإصلاح السياسي لا يمثل أولوية الآن  ويقابل ذلك دوما الإصرار على “أنيميا” الإصلاح السياسي داخليا.

قد يرقى التفاؤل الكبير إصلاحيا وسط نخبة عمان إلى مستوى البساطة وأحيانا السذاجة في التحليل.

وقد يحصل العكس، لأن المطلوب بكل الأحوال وبصرف النظر عن من يحكم في البيت الأبيض وعن انحيازاته واتجاهاته ومطالبه هو تطوير منظومة وطنية داخلية أردنية تؤمن بالإصلاح السياسي باعتباره مصلحة ذاتية وتبرمج حقنه بجرعات تناسب الظرف والامكانيات والمجتمع، الأمر الذي كان يلفت النظر إليه طوال الوقت رئيس مجلس الأعيان الخبير فيصل الفايز.

هل بالغ بعض الأردنيين في التفاؤل بان يقفز ملف الإصلاح السياسي للواجهة بعد حسم الديمقراطيين للمعركة في واشنطن؟

سؤال يحتاج لإجابة لكن مهما كانت تلك الإجابة  يفترض بان تتوقف عملية الغنكار الداخلية للمأزق الحالي الناتج عن غياب أو تغييب أو حتى دفن الإصلاح السياسي.

يتردد وعلى صعيد الأنباء فقط والتسريبات أن مؤسسة عميقة درست الخيارات ووضعت سيناريوهات لاحتمالية ان يطلب من الأردن فجأة أو يضغط عليه بشان الملف المشار إليه.

 لكن الدراسة والتقييم خطوة وقائية واحتياطية ليس أكثر.

 وعندما يتعلق الأمر بأعمق ما يعنيه ويدلل عليه الإصلاح السياسي تفضل المؤسسة الرسمية بوضوح الانتظار والترقب وفي الأثناء تجنب استباق الانطباعات وإظهار قدر من السخرية الخفيفة في مواجهة تضخم التكهنات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق