اراء و مقالات

الإصلاح السياسي في الأردن: «غاية قد لا تدرك» وسؤال ما بعد «لجنة المنظومة»: متى نتخلص من «شوائب هندسة» الانتخابات والأحزاب؟

عمان – «القدس العربي»: لا أحد عملياً يمكنه وضع الوصفة المناسبة التي يمكن أن تنتج التوافق الوطني عندما يتعلق الأمر بقانوني الأحزاب والانتخاب في الأردن أو في غيره من الدول.
يعرف الجميع هذه الحقيقة الواقعية، فلا يوجد نظام انتخابي يحظى بأي إجماع ولا يوجد نظام حزبي يحظى بالتوافق الوطني الشامل والعام، بحيث يرضي جميع الأطراف. لكن تعزيز مصداقية التعددية الحزبية وتعزيز منظومة النزاهة الانتخابية والتخلص من كل شوائب هندسة الانتخابات والعبث فيها هي مسائل إجرائية أولاً، لا علاقة لها باللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية من حيث جوهر التفصيلات.

«لا تصفيق»

وثانياً هي مسائل، في كل حال، لها علاقة بين توفر الإرادة السياسية، ولاحقاً التزام المؤسسات التنفيذية بكل أصنافها البيروقراطية والأمنية والحكومية بالمتابعة على أساس الالتزام المشار إليه. وبالتالي، الحديث عن عقيدة حزبية جديدة في البلاد، ثم الحديث عن نظام انتخابي جديد يعزز النزاهة تحديداً ويستعيد ثقة الجمهور بالعملية الانتخابية، هي مسائل لا يمكن في الواقع الموضوعي لأي لجنة من أي نوع وفي أي وقت تقديم ضمانات بخصوصها؛ لأن اللجان الاستشارية مهامها محددة، كما لاحظ عضو اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية خالد البكار.
مبكراً، يعرف البكار ورفاقه جميعاً بأن إرضاء جميع الأطراف على الأقل المعنية باللعبة السياسية والواقع الانتخابي والإصلاح السياسي قد تكون غاية لا تدرك. لكن لو توفرت البنية الإجرائية التي تعزز مصداقية العمل الحزبي وتحافظ على نزاهة العملية الانتخابية لكان المناخ الاجتماعي العام بخصوص الإصلاحات السياسية فارقاً، بصرف النظر عن إصلاح التشريعات.
الواضح تماماً، وقد لمس ذلك أيضاً رئيس اللجنة الملكية ورئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي، في نقاش مع مجموعة من النشطاء وأعضاء اللجنة حضرته «القدس العربي» يشير إلى أن الجانب الإجرائي مسألة عابرة لصلاحيات الحكومة في الواقع، وبالتالي الحديث عن تغييرات وتعديلات تشريعية قامت بها اللجنة الملكية بمساري الانتخاب والأحزاب حديث لا يمكنه أن يؤدي إلى تصفيق جميع المعنيين والجالسين في شرفة النظارة والجمهور. وهو بالتأكيد أيضاً حديث لا يمكن ضمان إعجاب الجميع به؛ لأن طبيعة النصوص القانونية هنا مرنة ومطاطة ومفتوحة على كل الاحتمالات، ولأن قناعات الأفراد والأشخاص والأحزاب السياسية متنوعة ومتعددة عندما يتعلق الأمر بأفضل النظم. لذلك، كانت مهمة اللجنة الملكية صعبة ومعقدة من البداية.
ولذلك، لاحظ الرفاعي ورفاقه مبكراً، بأن الالتزام بمضمون الرؤية الملكية التحديثية للمنظومة السياسية مسألة تتطلب الجهد والتوافق. لكن -في المقابل- يبدو أن البنية المتعلقة بالحاضنة الاجتماعية ورفع مصداقية الذهاب أو المضي قدماً نحو وجبة من الإصلاح السياسي على الأقل، تتطلب سلسلة إجراءات قبل التشاور وقبل حتى تشكيل لجان ملكية.
وهو ما تحدثت عنه ورقة مبكرة لعضو اللجنة الملكية الدكتور عامر السبايلة، الذي اعتبر وحتى أمام «القدس العربي» وفي عدة مرات، بأن البنية الإجرائية هي الأساس، وإعادة بناء المصداقية مرهونة بخطوات ينبغي أن تتخذها الدولة لاستعادة مصداقية العملية الانتخابية والعملية الحزبية، معبراً عن الأسف على أساس أن البنية المتعلقة بتلك الإجراءات لم تكن أولوية، مما تسبب على الأرجح بتقليص مساحة التفاؤل باللجنة وأعمالها.

«لا ترقى إلى مستوى طموحات»

مبكراً، فهم الواعون فقط والذين يتميزون أو يتمتعون بالعمق السياسي والخبرة والتجربة بأن الحديث عن الإجراءات التي ترفع مستوى مصداقية خطاب الإصلاح مع الشارع الأردني مسألة، والحديث عن تغيير قوانين والتشريعات الأخرى مسألة أخرى تماماً. وفهم الجميع في المقابل – وهو ما لاحظه الوزير والبرلمان العتيق الدكتور محمد الحلايقة – بأن توفير حاضنة اجتماعية تدعم التعديلات التي يفترض أن تقترحها اللجنة الملكية يتطلب الجوانب الإجرائية؛ بمعنى رفع قيمة العمل الحزبي وثقافة الإصلاح السياسي والعودة إلى أجواء إشاعة الحريات العامة والحفاظ على الحريات الفردية.
هنا في وقت مبكر، فهم الجميع بالتوازي بأن عدم حصول انفراج على صعيد أزمة نقابة المعلمين واستمرار بعض الاعتقالات وحصول تعسف ومحاولات فرض قيود على حريات الإعلام والتعبير كلها في الواقع العملي وللأسف الشديد، إجراءات حكومية وتنفيذية رافقت عمل اللجنة، وبالتالي حرمتها من البيئة الاجتماعية الجاذبة.
رغم ذلك، حاولت اللجنة وذهبت في اتجاه توافقات تمثل العدد الضخم لأعضائها فقط الذين يمثلون انحيازات في مجتمعهم أو اتجاهات حتى في مراكز القوى داخل الدولة، وهو أمر في كل الأحوال لا يمكن تحميل مسؤوليته لا لرئيس اللجنة الرفاعي ولا لبقية أعضاء اللجنة، لأن النتائج تكون طبيعية هنا عندما يتعلق الأمر بتوافقات داخل لجنة عريضة اختيرت لتمثيل شرائح في المجتمع وفي النخبة السياسية والحزبية والأكاديمية.
لذلك، من الطبيعي القول اليوم بأن النتائج والصياغات التي اعتمدتها اللجنة بخصوص ملفي الأحزاب والانتخابات قد لا ترقى إلى مستوى طموحات العديدين من المواطنين، ولا حتى العديد من الخبراء، وقد لا تلبي الطموح الحقيقي، كما لاحظ عضو اللجنة النشط والخبير جميل النمري.
لكنها تبقى خطوات متقدمة يمكن تطويرها في المستقبل، فاللجنة تعرضت لتضخيم في التوقعات، بينما كان واقعها على مستوى تمثيل الأعضاء فيها في الاتجاهات المعاكسة، وبالتالي لعب الثلث المعطل -وهو ما توقعته مبكراً «القدس العربي»- دوراً أساسياً في الانقلاب أو في التأسيس لاتجاهات معاكسة في بعض التفاصيل للإصلاح السياسي وفي جزء لا يستهان به من التفاصيل، معاكساً حتى للرؤية الملكية المرجعية التي ترغب في تكريس العمل الحزبي والتحول إلى تجربة البرلمان الحزبي البرامجي، ثم تداول السلطة على أساس حكومات أغلبية وفي غضون عشر سنوات.
تلك طموحات واضح أنها تحتاج إلى مزيد من الوقت، لكن لا يمكن حسابها في إطار مسؤولية مطبخ اللجنة ومكتبها التنفيذي، فما يوجد في المجتمع من أفكار وتصورات عرفته اللجنة، وعبرت تفاصيلُ عن طبيعة توازنات بين مراكز القوى في المجتمع والدولة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق