اراء و مقالاتمقالات وآراء

«الإعسار» يضرب «الإسمنت»… الأردن يقترب من «الحبل الاقتصادي» المشدود

 

 اللجوء إلى «قانون الإعسار»… ما الذي يعنيه ذلك في الحالة الأردنية؟
الدوائر والأوساط المختصة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باستشعارات ملف تداعيات الفيروس كورونا، لا تريد التوقف طويلاً أمام إعلان شركة كبيرة وضخمة هي شركة الإسمنت ومصانعها غربي العاصمة الأردنية، وبصفة قانونية بعجزها عن سداد التزاماتها المالية.
في عملية منهجية ومبرمجة قانونياً، أعلنت شركة الإسمنت وهي من الشركات الضخمة في الأردن، إعدادها أوراق اللجوء إلى قانون الإعسار الخاص بالمؤسسات والشركات التي تصاب بشلل مالي.
هو خيار أتاحته التشريعات الأردنية في حال التعثر المالي، لكنه خيار لم يطبق إطلاقاً في الماضي، خصوصاً على شركات كبيرة. وأخطر ما في إعلان الإسمنت ومصانعها ووصولها إلى شواطئ الإعسار سياسياً، هو أن العبور من هذه النافذة سيؤدي إلى تداعيات بالجملة، فالشركة العملاقة أو اليوم التي كانت عملاقة، تقول بملء الفم وبتصريح لأكبر المسؤولين فيها، وهو سمعان سمعان، بأنها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الدائنين والموظفين والمتقاعدين.

المتهم «كورونا» وخطر الشلل المالي قد يركب موجته عديد من الشركات

تلك معطيات مقلقة اقتصادياً، والهمس بدأ فوراً يتناول الملف القانوني للإعسار الذي أعده بعناية شديدة الوكيل القانوني لشركة مصانع الإسمنت، وهو خبير قانوني سبق أن عمل في الحكومة وفي مواقع متقدمة، لا بل يقال بأنه كان من مهندسي قانون الإعسار أصلاً.
في كل حال، الشركة تقول إن ديونها وصلت لأكثر من 100 مليون دينار، وأنها عاجزة عن الالتزام الآن، والمتهم الرئيس في حالة الإعسار الضخمة هذه هو الفيروس كورونا والتداعيات التي فرضها على الجميع.
قبل ذلك، كانت 13 شركة على الأقل -حسب المصادر المختصة- قد حاولت الاستفادة من قوانين الإعسار، لكن ولا واحدة منها نفذت؛ بسبب الفوضى التي سيحدثها قبول أوراق الإعسار في بعض الحالات. لذلك، يتحفز الجميع في الأردن اليوم لمراقبة نهايات أوراق الإعسار التي تقدمت بها شركة الإسمنت.
القلق السياسي كان بادياً على جميع المسؤولين المختصين بالملف الاقتصادي؛ لأن الإعسار لا يمكن أن يتحول إلى موضة أو موجة يركبها كثيرون في القطاع الخاص، خصوصاً مع تراجع التصدير ووجود كميات هائلة من منتجات الإسمنت والبوتاس والفوسفات في المخازن، ومع تعطل حركة النقل الدولي والإقليمي، حيث يضرب كورونا بقوة في بعض المفاصل هنا.
ومن المرجح أن شركات كبيرة أيضاً بدأت في إعداد خطط هيكلية للاستغناء عن موظفين بطريقة تحتال حتى على أوامر الدفاع، ويمكن أن تساعد وتؤدي إلى توسيع رقعة البطالة التي قد تتجاوز نسبة الـ 30 % إذا لم يبادر أصحاب القرار للتحريك والاستدراك، كما يقدر وهو يتحدث لـ «القدس العربي» الخبير والمستشار الاقتصادي محمد الرواشدة.
إعسار الإسمنت رسالة سلبية، مع أن الحراك الملكي في الواقع الاقتصادي والخارطة الصناعية زرع الأمل في رموز القطاع الخاص، فالملك عبد الله الثاني شخصياً يزور المصانع والمزارع الآن، ويوجه في اتجاه صناعات واستثمارات صناعية وزراعية محددة وبصورة علمية ومنتجة، ويعبر علناً عن ثقته بأن الأردن سيتجاوز الأزمة ويعود أقوى.
لكن الحكومة والجهات التنفيذية لا يبدو أنها تسير بدرجة اللياقة البدنية نفسها التي يؤسس لها حراك الملك والقصر، فملاحظات القطاع الخاص والقطاع التجاري تتراكم، والشراكة تواجه تحديات وإعاقات بيروقراطية، واللجان والمؤسسات الاستشارية التي تشكلت بعد أزمة كورونا لا تحظى بالمتابعة الحقيقية من الوزراء.
تلك ملاحظات تراكمت طبعاً طوال أربعة أشهر. لكن الرسالة سلبية، وانطلقت بإنذار مبكر، عندما تعلن شركة كبيرة مثل مصانع الإسمنت بأنها ستتقدم بملف الإعسار. وهي خطوة يحذر خبراء ومختصون من أنها قد تؤدي إلى تقليد مماثل من قبل شركات أخرى قد تصيبها تداعيات كورونا بإعسار مماثل، مع أن الإعسار عملياً -وبدون إعلان- طال مساحات عدة في الشركات المتوسطة التي لا يبدو أن الحكومة تهتم بها، فيما يتجاهلها قطاع البنوك في المقابل وهو يخالف توجيهات وتعليمات البنك المركزي.
رئيس الوزراء السابق سمير الرفاعي، كان قد أعلن أن «الدينار بيد المواطن وفي السوق أفضل منه بيد الحكومة». لكن هذا النداء يتم تجاهله حكومياً أيضاً في ظل التحديات الواقعية، فقد أعسرت شركات الأثاث مثلاً، ومحلات التجزئة تقريباً، وأكبر صحف البلاد اليومية مثل «الرأي» تواجه أزمة مالية حادة وحالة إعسار غير مرسومة قانونياً، وقطاع تجارة السيارات في وضع صعب، وتجار السجائر يتحكمون في السوق بطريقة مؤذية.
كل تلك مجرد أمثلة على واقع اقتصادي متحرك، فيه بعض الأمل والكثير من الإحباط الذي لا بد من الانتباه له جيداً، برأي الرواشدة وغيره؛ لأن الدلالة في الاقتراب من الحبال المشدودة، ولأن إعادة الهيكلة لمواجهة متطلبات ومستجدات ما بعد كورونا قد تؤدي إلى تسريح الموظفين أيضاً أو الضغط عليهم للاستقالة.
ثمة همس وسط المسؤولين عن احتمالية فرض مزيد من الرسوم على القطاع الصناعي، وثمة مخاطر وكلفة تنتج عبر تردد القطاع الخاص وصعوبة اتخاذ قرارات حاسمة جراء التوسع في تحقيقات الفساد والعطاءات وقرارات الحجز التحفظي ضمن منظومة وشبكة النزاهة، وكذلك ثمة توتر في السوق نتج عن المداهمات الضريبية وتحديات لا يستهان بها يواجهها قطاع المقاولين. الإعسار إذا انضم إلى هذه المشكلات سيصبح الوضع، باختصار، أصعب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق