اراء و مقالات

الاستثمار في الأردن عندما يتعرض لـ«الإقصاء»

كل دول العالم الناجحة اقتصاديا تنشغل في توفير التسهيلات للمستثمر المحلي والمتوسط والصغير وليس الكبير او للأجنبي فقط

كانت جلسة ثنائية هادئة جدا وعميقة. طرحت على رفيقي عشرات التساؤلات عن الملف الذي لا أتمتع بأي خبرة فيه، وهو الاقتصاد والاستثمار وتدفق الحديث عن ما يخيف المستثمر في الأردن أو ما يرعبه أو يرهقه.
وكالعادة في الشغب والمناكفة والتشبيك والتمرير بين الأشياء، استفسرت عن دلالات عودة ثقافة الإقصاء في أكثر من مجال ومساحة على من يملك مالا من الأردنيين ويريد أن يستثمر في بلده، خصوصا في هذه الأيام العصيبة والصعبة، حيث كورونا بدأ ينتج سلالات والعالم يقف على نصف رجل فايروسيا والاقتصاد معقد للغاية.
صمت رفيقي في الحوار وهو سياسي محنك. بعد الصمت عالجني بعبارة رنانة: «رأس المال عندما تبعده سيبعدك… والاستثمار عندما يتعرض للإقصاء سيقصيك بدوره».
عبارة في الواقع تختصر الكثير بعيدا عن كل نظريات التنميط الاقتصادي والتنظير الاستثماري.
سألني الرجل في حوار لا أخفي استمتاعي به: هل يكفي لجذب الاستثمار أن يظهر الوزراء على الشاشات وهم يرتدون الشماغ الأحمر؟
الجواب على السؤال مفهوم، لكن مسألة الاستثمار لا علاقة لها كما أفهم على الأقل من الخبراء بكل ما ندعيه ونزعمه ونلبسه ونقوله نحن معشر الإعلاميين والسياسيين.
العبارة الأولى هي الأهم فمن يملك حصة أنعم الله عليه فيها من المال، يبحث عن بيئة محفزة وإيجابية، وعن قضاء مستقل وأجواء حريات، وعن تأطير قانوني عادل، يضمن له عملية الاستثمار بكل بساطة، وبدون تعرضه للاستغلال، بعيدا عن كل مانشيتات الوطنية، ووفقا للصيغة التي يقترحها الباحث العبقري الدكتور وليد عبد الهادي: «تورم في الوطنية وأنيميا في الانجاز» من أجل الوطن.
شخصيا لا أعرف ما الذي يريده أي مواطن أردني أو عربي أو أجنبي لكي يستثمر ماله وسطنا نحن الأردنيين. لكن أعرف بالمقابل مجموعة شطحات ذات بعد سياسي ووطني، وبضعة أسرار وخلفيات تستحق التأمل والوضوح والتفسير الذي أتركه في الشأن المختص طبعا لأصحابه.
مثلا: أحد المستثمرين دون ذكر تفاصيل تراجع في اللحظات الأخيرة عن استئجار مئات الدونمات من الأرض في إحدى مناطق جنوب العاصمة عمان لإقامة مشروع استثماري ضخم، قد يخدم نحو نصف مليون مواطن بعدما سمع ـ ذلك المستثمر ـ نائبا جديدا في البرلمان من أبناء تلك المنطقة، يعلن تحدي الرأسمالية التي تستهدف أهله وأبناء منطقته وعشيرته.

كل دول العالم الناجحة اقتصاديا تنشغل في توفير التسهيلات للمستثمر المحلي والمتوسط والصغير وليس الكبير او للأجنبي فقط

بكل بساطة ورغم وجود احتمال بأن النائب المشار إليه تحدث بدون قصد.. بكل بساطة وقبل ساعات فقط من توقيع عقد ضخم جمع المستثمر أوراقه، وتوقف عن إقامة مشروعه، فقد قيل لنا دوما بأن رأس المال جبان، وبالتالي حرمت عبارة منفلتة لم تدرس بعمق أطلقها نائب شاب وجديد ليس فقط أهل منطقته بل الأردن من استثمار كان وشيكا. ما الذي يثبته ذلك؟
من جانبي على الأقل كمراقب يثبت ذلك بأن رأس المال الاستثماري حساس للغاية، وإذا تعرض لأي استهداف أو تلويح بالاستهداف، سيتصرف بكل بساطة على أساس أنه استهدف، وبالتالي سيبتعد، وإذا عاقب أحد ما المستثمر أو ضغط عليه أو ابتزه، بكل بساطة أيضا سيعاقب المستثمر الضحية الجميع بدوره ويتوقف عن العمل ويتراجع عن الاستثمار. ويثبت أيضا تلك الحساسية أن هيئة مكافحة الفساد والنزاهة تقر علنا ببعض القصور التشريعي والإداري، فتؤسس وحدة لحماية المستثمرين من الاستغلال.
تبدو على الأرجح فعلا وحقا عبارة ساحرة ورنانة، «إذا أزعجت المستثمر سيزعجك، وإذا عاقبته سيعاقبك بحجب ماله أو الاحتفاظ به».
حاجتنا كأردنيين ملحة فعلا لأن نفهم ذلك، فمجتمع المستثمرين الذين لا أعرفهم ولا أحبهم أيضا أقرب لمجتمع «الجارات في القرية» فالمستثمر الذي يخاف أو يتعرض لاستهداف، سيخاف معه كل أقرانه في نفس القطاع، وما سمعته من خبير حيوي في الاستثمار هو محمد الرواشدة: أن كل دول العالم الناجحة اقتصاديا تنشغل في توفير التسهيلات للمستثمر المحلي والمتوسط والصغير وليس الكبير أو الأجنبي فقط.
واضح تماما أن ذلك لا يحصل في بلدي. وواضح ايضا بأن أحدا لا يعرف ما الذي تفعله بصورة محددة هيئة تشجيع الاستثمار، فقد تقلب على إدارتها كثيرون، وبيانات وزارة المالية الرسمية تظهر مفارقة في غاية الغرابة، فحجم الاعفاءات لأغراض الاستثمار أكبر بثمانية أضعاف على الأقل في العام الماضي من حجم الاستثمار الفعلي على الأرض، ولا أذيع سرا إذا قلت بأن وزير المالية الفاضل الدكتور محمد العسعس هو من وقف معي عند هذه المفارقة.
باختصار وبصيغة مباشرة جدا أعجبتني عبارة رفيقي في الحوار فعملية مضايقة أي مستثمر أقرب لجدع الأنف الوطني.
تريدون استثمارا… أوقفوا الإقصاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق