اراء و مقالات

«التشغيل» بدلاً من «مشروع النهضة» الأردني… الرزاز مع لحظة الحقيقة بعد «نعي التصعيد الضريبي»

الأزمة «مالية» بامتياز ومخاوف من نقص الواردات مليار دينار

 

 

 مباشرة التقط الكاتب السياسي الأردني أسامة الرنتيسي المفارقة قبل غيره عندما سأل: أين مشروع النهضة؟ طبعاً سؤال له علاقة بالكلمة السحرية الجديدة التي استعملها رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز صباح الاثنين وهو يرعى نشاطاً نظمته وزارة العمل قائلاً بأن الكلمة المناسبة لمختصر برنامج حكومته هي «التشغيل».
عملياً هذا المختصر المفيد في كلمة واحدة محاولة جديدة وفي الوقت الضائع من حكومة الرزاز لزرع الأمل في نفوس الأردنيين والإيحاء ضمناً بأن تدبير وظائف لهم في القطاع الخاص هو الأساس في مواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية المقبلة.
الحكومة هنا لا تعد بوظائف في القطاع العام بل في القطاع الخاص والرزاز أعلن أن الشركات التي توظف الأردنيين ستحظى ببركة الحكومة وامتيازاتها.
سمعت «القدس العربي» المنطق نفسه في وقت سابق من وزير التخطيط والتعاون الدولي الدكتور محمد العسعس وقبل جولة المفاوضات الأخيرة والتي يقال إنها أخفقت عملياً مع صندوق النقد الدولي بإدارة عز الدين كناكريه وزير المالية المستقيل رسمياً عشية تعديل وزاري وشيك.
بالنسبة للعسعس وصفات الصندوق الدولي ليست قدراً وفلسفة الجباية الضريبية ثبت إخفاقها وتحفيز النمو الاقتصادي هو الحل والسياق أما الإطار فهو خلق وظائف وبرنامج التشغيل.
يعتقد هنا وعلى نطاق واسع أن وزير العمل الحالي الشاب المستعجل نسبياً نضال البطاينة أدخل للحكومة أصلاً في التعديل الوزاري الأخير لأن لديه برنامجاً متكاملاً بعنوان التشغيل بدلاً من التوظيف.
عملياً لا تشرح الحكومة للناس الفارق بين المفردتين وإن كان السياق السياسي والبيروقراطي يوحي ضمنياً بأن القصد هو تشغيل الأردنيين عند القطاع الخاص وليس توظيفهم في القطاع العام المترهل أصلاً.

يتطلب ذلك مناخاً مناسباً لشراكة حقيقية مع القطاع الخاص وقرارات سيادية وأمنية توقف شكوى المستثمرين المحليين وتحاول تحفيز النمو، الأمر الذي يحاول العمل عليه وبنشاط ملحوظ رئيس هيئة تشجيع الاستثمار الجديد والحالي الدكتور خالد الوزني.
البطاينة حضر إلى وزارة العمل من أبو ظبي والوزني حضر إلى وظيفته الجديدة من دبي والأمل معقود عليهما برفقة بقية أفراد الطاقم الوزاري لتجربة المشروع السحري الجديد بعنوان التشغيل.
برزت مفردة التشغيل هنا مباشرة بعد ستة أيام من إجراءات اضطر الأمن للتعامل معها في مدينة مأدبا شرقي العاصمة عمان لحماية سبعة عاطلين عن العمل هددوا بالانتحار الجماعي.
التشغيل في القطاع الخاص يعني ببساطة عدم وجود ميزانية للتوظيف لاحقاً في القطاع العام.. منطوق دولة الرعاية الكلاسيكي القديم يفرض بصمته هنا والرزاز يحاول الإفلات من هذا المفهوم باتجاه تحفيز القطاعات الداخلية والوطنية وسط انكماش حاد في السيولة النقدية وركود في السوق التجاري وتحفظ جميع الأردنيين بدون استثناء وبنسب متفاوتة على الإنفاق بإقرار علني من الوزير كناكريه. الفرصة متاحة بالنتيجة أمام رموز القطاع الخاص القادرين على التشغيل عملياً لفرض بصماتهم، وأحياناً اشتراطاتهم .. لذلك ولدت الخطة التي اختار الرزاز لها عنواناً براقاً باسم «حماية الاقتصاد الوطني»، وهو عنوان عاد الرجل إلى اختصاره أمس الثلاثاء بمفردة واحدة هي التشغيل.
الحماية هنا عبر حزم إجرائية عدة أبلغ مختصون، من بينهم رئيس اللجنة الاقتصادية في البرلمان خير أبو صعليك، بأنها مفيدة وجيدة لكنها لا تكفي.
بالمعنى السياسي الأبعد والأعمق، تؤسس حكومة الأردن مسافة ضمنياً مع وصفة صندوق النقد الدولي، وتغيب عن قاموسها تلك العبارات الرنانة الكبيرة من وزن «مشروع النهضة» أو من صنف الثورة الصناعية الرابعة، وذلك في الاتجاه نحو خطاب متواضع وواقعي أكثر عنوانه التشغيل.
في الأثناء أيضاً، تنعى الحكومة برنامج الجباية الضريبية وتصدر شهادة وفاته بالأرقام والحيثيات وليس بالتصريحات فقط.
وهو نعي شارك فيه علناً الثلاثة البررة في إدارة الطاقم الاقتصادي، حيث نائب رئيس الحكومة الدكتور رجائي المعشر، وتحت إدارته وزير المالية المستقيل الآن ووزير التخطيط. هذا نعي سياسي وبيروقراطي ناعم لبرنامج ضريبي تقمص ثوب الإصلاح الاقتصادي، وسقطت بموجبه حكومة الرئيس الدكتور هاني الملقي قبل نعيه من حكومة الدكتور الرزاز.
في التوقف عند التفاصيل ثمة ما هو أعمق قليلاً في التأمل البيروقراطي، حيث تراجعت بسبب قانون التصعيد الضريبي واردات الخزينة من الضرائب والوصول، وهي مسألة رفضت الحكومتان الأخيرتان الإصغاء إلى خبراء منها.
في بند السجائر فقط، يتردد أن عوائد الضريبة تراجعت بمقدار 180 مليون على الأقل حتى شهر أيلول، وقبل أيام فقط تحدث قطاع السيارات عن تراجع ضريبي في العائدات يزيد عن 300 مليون دينار حتى نهاية العام.
بمعنى آخر ولغة أبسط، ستنقص الواردات المعتادة على الأقل -وفقاً لخبراء عميقين- مليار دينار بالحد الأدنى مع نهاية العام الحالي، ما يزيد من عجز الميزانية، رغم أن سياسة التصعيد الضريبي خططت للعكس تماماً.
في الاسترسال، يكشف وزير وخبير سابق، لـ «القدس العربي»، أن هذا العجز يبقي أمام الحكومة خيارين أحلاهما مر، الأول هو مزيد من الاقتراض الخارجي إذا ما سمح البنك الدولي بذلك أصلاً. والثاني اللجوء إلى الاقتراض الداخلي ووقف كل النفقات الرأسمالية، وهي خطوة ستربك الجهاز المصرفي باعتباره عنوان النجاح الوحيد اقتصادياً، كما فهمت «القدس العربي» من عمر ملـحس وزير الماليـة الأسـبق.
يبقى أمام وزير المالية الجديد مجهول الهوية، حتى الآن وقبل ساعات من تعيينه، خيار اضطراري هو الأكثر تعقيداً، وهو رفع أسعار الكهرباء والماء، الأمر الذي يعني بالنتيجة المجازفة بالشارع والحراك.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق