اراء و مقالات

السفير هنري ينذر الأردن قبل حضوره… وسيناريو «الضم» عالق بين «الإفراط الخليجي» في التطبيع وتحفيز السيسي لتصليب جبهة عباس

عمان تبحث عن «أوراق القوة» وهي تحت الضغط وتتواصل مع الكونغرس

تلجأ عمان في مواجهتها لسيناريوهات مشروع الضم الإسرائيلي إلى أبو ظبي لاستصدار اتجاه محدد وموحد. ساعات فصلت فقط بين الاتصال الهاتفي الذي أجراه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مع ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد الذي ناقش فيه حصرياً تطورات القضية الفلسطينية، وبين مغادرة وزير الخارجية أيمن الصفدي إلى رام الله حاملاً رسالة للرئيس الفلسطيني محمود عباس.
الاتصال مع الرئيس عباس لا يحتاج في العادة إلى موفدين رفيعي مستوى ولا إلى رسائل مغلقة، ليس فقط لأن الخطوط مفتوحة أصلاً طوال الوقت بين عمان ورام الله، ولكن أيضاً لأن المسائل واضحة بين الجهتين، فالسفارة الأمريكية في العاصمة الأردنية للتو تتواصل مع رعاياها وتطالبهم بالحيطة والحذر أثناء التجول أو النشاط والمعيشة في الأردن خلال الأسابيع القليلة المقبلة، لأن إسرائيل بصدد تنفيذ مشروع الضم.

عمان تبحث عن «أوراق القوة» وهي تحت الضغط وتتواصل مع الكونغرس

ذلك كان بمثابة إنذار مبكر من سفارة مهتمة لرعاياها لحق به إنذار واضح الدلالات والمعاني للأردن شعباً وحكومة، وهذه المرة بتوقيع السفير الأمريكي الجديد المعين لدى الأردن هنري ووستر، الذي أبلغ علناً بأنه يعتبر تسليم الأردنية المتهمة بالإرهاب أحلام التميمي من أولوياته.
لا يكتفي الأمريكيون أثناء الظرف الأردني الصعب والمعقد بالضغط والتنصل من التزاماتهم، بل يحاولون ليّ ذراع الأردن سياسياً بالربط ما بين تسليم أحلام التميمي المقيمة في عمان والتي حوكمت أصلاً في إسرائيل سابقاً، وبين سلسلة المساعدات الأمريكية، بما فيها تلك التي ربطها السفير الجديد بما سمّاه الأردن الجديد.
حتى في وصف أنصار معسكر السلام والاستسلام للقدر الإسرائيلي ولصفقة القرن، وسط نخبة عمان ما يجري خارج نطاق المنطق والمعقول، والاختبارات قاسية جداً جداً؛ لأن مشروع الضم يتسارع ويهدد بوضوح المصالح العليا للدولة الأردنية. بالنسبة للحقوقي والسياسي البارز المحامي زياد الخصاونة، الحذر واجب جداً الآن، كما يؤكد في نقاش مع «القدس العربي»، داعياً إلى تجاوز الحذر والسياق الدبلوماسي وطرح أوراق اللعب الأردنية القوية، وهي أوراق – برأي الخصاونة – موجودة ومتاحة وحان وقتها. وهو رأي يسانده السياسي الدكتور ممدوح العبادي وهو يقترح علناً صيغة سكين الضم الإسرائيلية التي تحاول المساس بالعظم الأردني الآن، وفي نقاش لاحق أيضاً مع «القدس العربي» يقدر العبادي بأن تمتين الجبهة الداخلية هو الأساس اليوم في المواجهة، وبأن مشروع الضم يتعدى قواعد الاشتباك المألوفة ويعتدي على الأردن دولة وشعباً، ملمحاً إلى ضرورة التعامل مع المسألة بكل جدية وعلى أساس المواجهة.
يقترح العبادي منذ سنوات التنويع في الخيارات الاستراتيجية، ويرى بأن مصالح الأمة اليوم مرتبطة بدعم صمود الأهل في فلسطين، الذين بصمودهم على الأرض وتشبثهم بها يحبطون أي مشروع استعماري مهما كان صنفه ولونه.
يريد الأردن تأسيس حراك يوازي حجم المخاطر التي تنتج عن مشروع الضم الإسرائيلي، لكن التعقيدات كثيرة، وبدايات السفير الأمريكي الجديد ليست مبشرة، والوضع الاقتصادي صعب، والمالي ضاغط بشدة، والاجتماعي يترنح بعد كورونا وتداعياتها.
ما هي الخيارات.. وما الأوراق التي يمكن اللعب بها الآن؟
.. تلك أسئلة تشغل مؤسسة القرار الأردنية ليل نهار، والملك عبد الله الثاني يحاور ويناور في كل الاتجاهات، فيتحدث عبر تقنية إلكترونية مع رجال الكونغرس، ويتفاعل مع الحراك الدبلوماسي الألماني، ويريد من الرئيس محمود عباس حركة أفقية عميقة تتجاوز حالة الصمت الحالية، الأمر الذي قد يبرر تلك الرسالة التي قد يحملها الصفدي.
والقيادة الأردنية تحدثت عن الثوابت، واقترحت على العديد من الزعماء العرب بأن الجملة التطبيعية المفرطة مع اليمين الإسرائيلي تبالغ في التوقيت السيئ وتستخدم ضد الحد الأدنى المعقول والمقبول في سياق المبادرة العربية الشهيرة. فمع مصر، طلبت عمان حراكاً أكثر في تصليب جبهة الرئيس عباس. ومع السعودية، تحاول عمان تنشيط الذاكرة بقصة المبادرة العربية التي يدفنها تماماً مشروع الضم. ومع رام الله، المعادلة تطالب بحراك مؤسساتي ضمن موقف عربي موحد.
ومع أبو ظبي، ثمة تواصل هاتفي مع الشيخ محمد بن زياد أعقبه بيان صحافي تحدث عن حل الدولتين وعن عدم قبول البلدين لمشاريع إسرائيلية أحادية، وتضمن البيان نفسه إشارة إماراتية مباشرة بلسان بن زايد إلى الوقوف الكامل مع الأردن، وأخرى إلى تحرك ضمن ما تسميه أبو ظبي بالإجماع العربي وبأدوات سياسية ودبلوماسية تحذر من خطورة الضم وتداعياته.
كل تلك الاتصالات المحمومة تؤشر على بؤس اللحظة الدبلوماسية أردنياً، وعلى ضعف الجبهة العربية، وعلى غياب التأثير والبصمة الأردنية في واشنطن وتل أبيب، حتى أن اللاعب الأردني يضطر إلى تشجيع عباس وتحفيز أبو ظبي أو الاستثمار فيها رغم أنها قطعت أشواطاً كبيرة في التطبيع.
الرهانات مرتبكة والاستحقاق يقترب. والأهم أن عمان، لأغراض داخلية بحتة، تبحث اليوم عن معطيات ومعلومات، وتريد أن تفهم ما الذي سيجري خلال أيام قليلة في مدن الضفة الغربية حتى تستعد، بالنتيجة، في إطار المعادلة الداخلية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق