اراء و مقالات

المستثمر الأردني: عندما «يشتمك» بلاط السلطة

الغرق في شبكات البيروقراطيين الصغار القادرين على التسبب بألم، يشبه نزع الأسنان بدون مخدر، وبصفة يومية، مسألة معقدة في الأردن ولها خلفيات متعددة

ما الذي يمكن أن يفعله مستثمر ما من خارج نادي الكبار الذين يستطيعون الولوج للسلطة في مواجهة العشرات من الموظفين البيروقراطيين الذين يلعنون اللحظة التي اضطرتهم لرؤية مستثمرين أصلا؟
السؤال له علاقة بما يجري مع المستثمرين من الشرائح الصغيرة والمتوسطة في المشهد الأردني، حيث حيتان الاستثمار الكبار شركاء للسلطة ورموزها في كل شيء، ولا يقترب منهم أحد، ويمكنهم عند حصول مشكلة مع موظفيهم أو مرافقيهم أو مصانعهم الاتصال بأكبر رأس في الحكومة ومعالجتها.
وفقا لنظرية «التفريغ» الفيزيائية لا يستطيع جيش من صغار الموظفين البيروقراطيين حتى مصافحة هؤلاء الحيتان أو الاقتراب من محمياتهم الطبيعية، فيتم تفريغ كل أنواع الكيد البيروقراطي ومشتقاته ومنتجاته، تحت عنوان تعذيب أو الإصرار على تعذيب من يقع في الشبكة من المستثمرين المتوسطين أو حتى الصغار وأصحاب المصالح الذي يعتقد بدورهم أنهم يديرون الاقتصاد الخدماتي وينتجون عشرات الآلاف من الوظائف للبشر.
مزالق الأنظمة والتعليمات والتفتيش التي تمارس كل أنماط الادعاء والحرص على القانون كثيرة ومتعددة. ثمة مقولة نرددها نحن كمواطنين دوما عند الاستعداد لموسم التفتيش الصيفي والشتوي على السيارات، فرجل المرور صاحب السلطة والاختصاص في الشارع، سيخالفك حتما إذا أوقفك بنية مخالفتك. والسبب ليس فقط مزاج الشرطي هنا، بل الإطار القانوني الواسع، والنصوص المطاطة التي يمكنها أن تؤدي لمخالفة السيارة عند التنقيب والتفتيش عن أي عيب فيها أو في السائق، فالنصوص واللوائح مرنة ومتسعة وحمالة أوجه. إذا أوقفك بنية المخالفة، سيجد ما يكتبه على ورقة الغرامة.. يعرف الجميع ذلك، ويتداوله الناس كنكتة بيروقراطية.
سألت أحد موظفي الطبقة الوسطى في دائرة الضريبة مرة عن قاعدة العمل المتبعة، فقال لي عبارة مضحكة وغريبة لكنها مهمة: «إذا استطعت «مغيب» وإذا وقعت فعليك الوقوع كرجل طيب».
تلك عبارة ملغزة لا وجود لآلية قانون صارمة فيها، فالمسألة تدار بالصدفة ووفقا لمعايير الغياب والطيبة والوقوع بالمزاج المطاط أيضا.
كان ذلك طبعا منذ سنوات طويلة، والمسألة لا تتعلق فعلا برجلي الضريبة والمرور، فأصل القصة سلوكي، وكنا يوما في الأردن نشتكي لا بل تشتكي معنا القيادة من الزحام الشديد في جهات التفتيش والرقابة، حيث تفتش على الأردنيين وأعمالهم نحو 17 مؤسسة، ولا زلت شخصيا أذكر ذلك اليوم الذي قال فيه مسؤول مرجعي كبير أمامي في جلسة خاصة لها علاقة بمشكلات الرئيس السوري بشار الأسد، أن مشكلة الأخير الرئيسية، هي تزاحم وتعدد الأجهزة والأفرع الأمنية لديه.

الغرق في شبكات البيروقراطيين الصغار القادرين على التسبب بألم، يشبه نزع الأسنان بدون مخدر، وبصفة يومية، مسألة معقدة في الأردن ولها خلفيات متعددة

نحمد الله في حالتنا الأردنية على أن مرجعيتنا الأمنية واحدة، وإن كانت لا تبدو كذلك أحيانا. لكن نريد أن نحمد الله يوما على توحيد مرجعية المراقبة والتفتيش، والتي يعاني منها المواطن والقطاع الخاص، وتؤدي إلى سلسلة لا متناهية من تعذيب صغار المستثمرين، والمتوسطين منهم تحديدا، لأن كبارهم وحيتانهم لديهم نفوذ وقدرات عجيبة على إظهار ما تتمتع به التعليمات القانونية من مرونة عندما يتعلق الأمر بمخالفاتهم.
يتألم مستثمر ما، ويذهب للتحقيق بتهمة الفساد آخر، ويدفع مستثمر ثالث ثمن ورقة رسمية مختومة حصل عليها في الماضي ضمن تسهيلات حزمة تشجيع الاستثمار، فتلغى قرارات سابقة وتراخيص على أساسها بني الاستثمار ودفع المال، ويتغير مزاج المسؤول البيروقراطي ويستطيع أصغر موظف إعاقة أكبر مستثمر في القطاعات المتوسطة عبر إغراقه بسلسلة لا متناهية من الاشتراطات والمراقبات والتعديلات والتصويبات.
يعبر مستثمر شاب أعرفه جيدا بين المؤسسات البيروقراطية لمتابعة أوراقه فيشعر بأن البلاط الذي يمشي عليه يبلغه.». عليك اللعنة».
وينجح، بعد تدخل وسطاء ووجهاء ونواب، آخر في الوصول إلى صاحب القرار الأول، أو الوزير المختص فيسمع سيلا من الكلام المعسول والمنمق، عن توجيهات ملكية ومرجعية صدرت للجميع بإظهار الفخر والاعتزاز بالمستثمرين الشباب، ودعمهم وتسهيل أمورهم، وسرعان ما يستدعي الوزير أركان وزارته لكي يعيد نفس الخطاب أمامهم.. يحتسي صاحبنا المستثمر هنا قهوته الوزارية فرحا بما سمعه، ويغادر مطمئنا بأن القرار السياسي يلتزم بمضمون التوجيه المرجعي في حالته.
يبدأ القوم تحت الوزير بالتربص والترصد والحفر لإثبات أن القدرة الحقيقية بعد الله لهم، وليس للوزير، وتبدأ عملية التنقيب والنكش على المرفق الاستثماري، وتخترع مخالفات من النوع الذي يخرس الوزير نفسه، حتى يتم إثبات أن من شرب القهوة لا يستحقها، مع أن المسألة قد تكون أحيانا خلافا لذلك، فالغرق في شبكات البيروقراطيين الصغار القادرين على التسبب بألم، يشبه نزع الأسنان بدون مخدر، وبصفة يومية، مسألة معقدة في الأردن ولها خلفيات متعددة.
يعلم الجميع ذلك من القمة إلى القاعدة. وتشتكي القيادة من ذلك قبل المستثمرين، لا بل ثمة رسائل ملكية مباشرة لها علاقة بتوحيد الجهة التي تتعامل مع المستثمرين، لكن مؤسسات الحكومة لم تلتزم بعد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق