اراء و مقالات

«الوصاية»: هجم بينيت ودافع عزت الرشق و«صمت» اللسان الأردني… لماذا؟

عمان – «القدس العربي»: قد لا يشبه الأمر التأخر المجاني أو الرغبة بالانطواء أو دفن الرأس الحكومي في الرمال كما يحذر عضو البرلماني الأردني خليل عطية.
وقد لا تنطوي المسألة على مؤشر إرباك يفترضه كثيرون وهم يراقبون عدم حصول أي رد فعل رسمي أردني سريع في الاتجاه المعاكس لتصريحات رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي نفتالي بينيت الأخيرة بخصوص السيطرة في القرار على كل ما له علاقة بالقدس وحرمها الشريف وأيضاً المسجد الأقصى.
تصريحات بينيت بالتأكيد تلحق ضرراً كبيراً بالوصاية الأردنية على المسجد الأقصى.
وتصريحات عضو المكتب السياسي لحركة حماس عزت الرشق، لوحظت وهو يدافع عن»الوصاية الهاشمية» ويعتبرها العنوان لأحقية أهل فلسطين، فيما يصمت المسؤولون الرسميون.
لكن ما بين القصور والعجز أو التمهل والتعمق وتجنب رد الفعل الشعبوي، ثمة مراوحة ومساحة متسعة أكثر عندما يتعلق الأمر بما يتوجب فعله أردنياً تجاه تلك الجملة العدائية الكبيرة لنفتالي بينيت، التي وصفها السياسي الأردني المخضرم طاهر المصري بـ»أخطر ما يكون».
عملياً، رئيس وزراء إسرائيل يتحدث إعلامياً عن تفكيك الوصاية الأردنية.
لكن من ناحية أخرى، لم يصدر إجراء أو قرار على الأرض يعلن إقفال إسرائيل لنافذة الوصاية، فيما لا يمكن الافتراض بأن المؤسسة الأردنية يعتريها قصور أو ارتباك فقط بسبب خبرتها المتراكمة في التعاطي والاشتباك ليس مع ملف القدس فقط، لكن مع الإسرائيلي أيضاً، مع أن قناعة المصري التي سمعتها «القدس العربي» منه شخصياً مرات راسخة عدة بأن الاحتلال لا يعمل بالصدفة ولا يتخذ قرارات أو إجراءات متسرعة كما نظن، بل يعمل في الليل والخفاء ويضرب كل شيء في اللحظة التي تناسبه.
ما يريد المصري قوله هو أن تصريحات نفتالي بينيت وكل حزمة الإجراءات في القدس والأقصى هي جزء حيوي وأساسي من خطة صهيونية أعمق عنوانها تهويد القدس، لا بل تصفية القضية الفلسطينية أيضاً، الأمر الذي ينتقل بالجميع إلى مستوى التهجير تحت عنوان التنكيل ثم تفريغ الأرض من أهلها وسكانها انتقالاً إلى تهديد المصالح الوطنية العليا للأردن، حكومة وشعباً، تحت عنوان حل قضية السكان على حساب المملكة.
منذ سنوات طويلة يحذر المصري من هذا السيناريو، وينظر الآن لتصريحات بينيت بخصوص القدس والمسجد الأقصى باعتبارها جزءاً من تلك الترتيبات في دولة يهودية وخالصة لليهود فقط. تتعامل المؤسسة الرسمية الأردنية، في المقابل، بحالة برود غامضة مع المعطيات، مع أن رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة شرح بتوسع أمام «القدس العربي» نظرية بلاده القائمة على إدارة العلاقة مع الصراع والقضية الفلسطينية وإسرائيل بعيداً عن الأوهام.
بين «صدفة» المصري وأوهام الخصاونة يتجدد المأزق وينتحل كل صفات المخاطر بعدما انقلبت إسرائيل على كل شيء. لكن إدارة المؤسسة الأردنية بعقل بارد للمعطيات لا تزال هي المنهجية المعتمدة في تموقع تكتيكي قد يوفر مساحة وهوامش مرنة لا يمكن توفيرها إذا ما تقرر الصدام المباشر مع مؤسسات الاحتلال، خصوصاً أن الرسالة التي لا تزال تصل إلى عمان بين الحين والآخر وكلما زاد التوتر من الدولة العميقة في الكيان، هي تلك التي تقول للأردنيين.. «كنتم وستبقون شركاء.. لا تردوا على انفعالات اليمين الإسرائيلي بانفعالات». فهل تكفي رسائل من هذا النوع لضمات دور الأردن ومصالحه في العمق الفلسطيني؟
مجدداً، سؤال برسم احتياج لإجابة ستكون على الأرجح حمالة أوجه، مع أن بعض ساسة عمان بدأوا يسترسلون في التحذير ليس من أسطوانة الوطن البديل، لكن من أسطوانة النظام البديل في الأردن، وفقاً لأدبيات اليمين الإسرائيلي المتطرف، خصوصاً أن السلام الإبراهيمي أضعف هوامش المناورة الأردنية، والوضع الاقتصادي حساس للغاية، وأزمة الثقة بين الجمهور والحكومة تلعب دورها في تفاصيل المواجهة والاشتباك.
التحذير من دلالات تصريحات نفتالي بينيت الأخيرة ليس ترفاً سياسياً، لكن التأخير في رد الفعل والإجراء ليس قصوراً في الوقت نفسه، لأن الحسابات اليم بالقطعة والتقسيط، ولأن الرهان الأردني بطبيعته مرتبط بما تقرره المؤسسات في الولايات المتحددة الأمريكية ليس للأردنيين فقط، بل للإسرائيليين أيضاً.
وعليه، يمكن القول ومن باب الاستنتاج والتحليل، إن صمت الحكومة في التعليق الرسمي طوال يومين، مسألة قد تثير ارتياب الصالونات السياسية وتزعج نواب البرلمان والشارع، لكنها في جذرها قد تعني القياس قبل الغوص، والحساب قبل رد الفعل، والتأمل والتعلق والتريث قبل القفز بانتظار المجسات واستكشافاتها، حيث النغمة السائدة بين خبراء رسميين وضليعين هي تلك التي تحاول التفريق حتى ولو من باب العجز أو الصدمة بين إجراءات إسرائيلية وعسكرية وأمنية على الأرض وفي الميدان، وبين ما يقوله طرف ما في حكومة ائتلاف هشة هنا أو هناك لأغراض الاستعراض الإعلامي وسط المستوطنين.
أثناء عملية التريث والانتظار قد تصبح المواجهة أصعب وأعقد، وفي الأثناء قد ترسم وقائع على الأرض.. على الأقل هذا ما يعيد التحذير منه الرئيس طاهر المصري طوال الوقت، فيما لا تقرأ الحكومة المشهد بانفعال أو في ظل أوهام، وتتريث؛ لأن خسارة رد الفعل بتقدير المطبخ الرسمي على الأقل كبيرة إذا ما كانت فوق الإمكانات.
على نحو أو آخر، وضعت تصريحات بينيت ضد الوصاية الأردنية، المملكة ومؤسساتها أمام اختبار جدي وغير مسبوق، وخسائره قد تكون كبيرة في حال عدم التصرف واللعب بالأوراق العميقة.
لكن الواضح أن الأردن الرسمي قرر الصبر والتمهل والقياس قبل الغوص؛ لأن المسألة لا تتعلق اليوم بالقدس والمسجد الأقصى والوصاية فقط، بل بما هو أعمق وأبعد عند الحفر في التفاصيل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق