اراء و مقالاتمقالات وآراء

انتخابات الأردن بـ”أثر رجعي” بين “الشرعية المؤقتة” وعناد “الهندسة”

 

قبل 48 ساعة فقط من يوم الاقتراع المنشود في انتخابات الأردن توقف القطب البرلماني والقانوني والمرشح اأضا عن الدائرة الثالثة لعمان العاصمة، صالح العرموطي وأمام “القدس العربي” أمام السؤال المر كما وصفه: لماذا يريدون إقصائي؟ ما هي قيمة الانتخابات والبرلمان أصلا إذا تم تقصد الشخصيات الوطنية ذات الرأي الحر؟

يشرح العرموطي بألم قبل ساعات من يوم الاقتراع تفاصيل الانسحاب المفاجئ لمرشحين في قائمته الانتخابية تعرضا لضغوط كما يقول.

لكن الأهم بالنسبة له هو ذلك السؤال المتعلق بكونه أحد المواطنين المنتمين للدولة والذين لا يقفون في وجه السلطة ولا يبغي إلا الإصلاح فقط معتبرا ان جملته الانتخابية في الرقابة والتشريع منضبطة ومعتدلة طوال الوقت. فثمة مراكز قوى في السلطة لا تريد رؤية صالح العرموطي في البرلمان لكن الرجل يسأل “لماذا وعلى أي أساس؟”.

عمليا الحملة التي استهدفت خلف الكواليس العرموطي حققت على مستوى الشعبية نتيجة عكسية، فقد حصد الرجل المقعد عن الدائرة الثالثة للعاصمة عمان وأصبح إخراجه من المعادلة صعبا ومعقدا، لكن شريكته الأساسية في القائمة الدكتورة ديمه طهبوب خسرت مقعدها.

 لكن الأهم أن الضغوط استهدفت حقه القانوني والوطني كمرشح في فرصة متزنة ومنصفة مثل غيره من بقية خلق الله الذين يتيح لهم القانون ترشيح أنفسهم.

يشك جميع المراقبين في الأردن من الذين يتمتعون بالحد الأدنى من الحياد والموضوعية بوجود جواب شاف على سؤال العرموطي وغيره ليس فقط من قائمة الإصلاح المقربة للإخوان المسلمين، ولكن أيضا من العديد من الشخصيات التي منعت بيروقراطيا من الترشيح أو لوحقت بسبب مواقف سابقة لها في البرلمان المنحل.

سمعت “القدس العربي” أيضا وفي وقت مبكر سؤالا من نفس الصنف ردده قطب مهم أيضا هو رئيس مجلس النواب الأسبق عاطف الطراونة: لا أحد يتحدث معي ويبلغني ما هي المشكلة، فقط قدت لسنوات مؤسسة البرلمان ولم أعرف حتى الآن رغم أنني انسحبت مبكرا من الانتخابات لماذا لا يريدني البعض في العملية الانتخابية؟

في كل حال لا جواب أيضا على سؤال الطراونة حتى ولو من النوع الذي يمكن مناقشته، وان كان الرجل ابتعد تماما عن الأضواء واعتزلها وقبل بالرسالة التي تقول ليس فقط باعتزاله سياسيا وانتخابيا ولكن بعدم ترشح شقيقه نقيب أطباء الأسنان الدكتور ابراهيم الطراونة للانتخابات أيضا ممثلا عن إحدى العشائر المهمة في مدينة الكرك جنوبي البلاد.

يطلق الأمين العام لأكبر أحزاب المعارضة الشيخ مراد العضايلة، على ما حصل من كولسات وترتيبات ومضايقات قبل يوم الاقتراع تعبير “هندسة الانتخابات”.

لاحقا يتحدث العضايلة مع “القدس العربي” وعبر بيان خاص عن الخوف من “هندسة النتائج” أيضا فتغضب الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات بعدما اختلطت حسابات الحظر وكورونا بمسألة المراقبين، وترد ثم تعلق وتشرح في بيان نشرته “القدس العربي” قبل 24 ساعة من يوم الاقتراع.

سأل العضايلة مبكرا أيضا عن تلك المفارقة التي تجعل الجهات الناشطة انتخابيا في السلطة معنية بهندسة هوية وملامح مجلس النواب بصيغة تؤدي دوما إلى الطعن في الوجدان الشعبي بشرعيته، ويحاول تنشيط الذاكرة بما يلي: الانتخابات التي أقر مسؤولون علنا بالعبث والتزوير فيها لاحقا، انتهت بحل مجالس النواب ولم تكتمل أو تنضج تجربتها ثم يسأل الشيخ: صدقا لا نفهم أي قيمة مضافة لهذا النمط الديمقراطي في هندسة وتشكيل عملية انتخابية تنتهي بمجالس نواب لا تكتمل زمنيا ويتم حلها.

 لا أحد يمكنه فهم مسوغات تلك الترتيبات الهندسية التي تقصي مرشحا وتدعم غيره، على حد تعبير المحلل والمراقب السياسي المهندس مروان الفاعوري.  فالمعارضة الحزبية في البلاد معتدلة ومنطقية، والحركة الإسلامية تحديدا لا تشكل خطرا على الدولة ولا تسعى للأغلبية، وصيغة قانون الانتخاب لا تسمح أصلا بأغلبية مقلقة ومزعجة، والإصرار على نواب الموالاة غير المنطقية وأحيانا السامة، ينتهي بفوضى وعبء على أجهزة الدولة ويقفز بشخصيات هامشية إلى الصدارة وبالتالي يخسر الجميع بدون مبرر.

 يوافق الفاعوري هنا على قول بإنها هندسة عبثية في المحصلة ويميل إلى عبارة فيها قدر من التحدي في النقاش والجدل: “دلوني على قيمة واحدة استفاد منها الوطن أو الدولة أو المجتمع أو استفادت منها أي جهة جراء استمرار أنماط الهندسة العبثية تلك”.

طبعا لن يجد الفاعوري أو غيره من يدله على ما يريده او يؤشر عليه، فالانتخابات تجري في الأردن بين الحين والآخر، وتمثيل المعارضة رمزي بالمعادلة، ومؤسسة التشريع بجناحيها في النواب والأعيان ضرورة دستورية ووطنية كما أكد لـ”القدس العربي” أكثر من مرة رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز.

لكن أنماط الهندسة والمشار إليها تصمد في النهاية ودوما،  لا بل تبدع في استنساخ معادلات جديدة تستثمر في الهوامش والثغرات البيروقراطية والتشريعية في الوقت الذي يكشف فيه أعلى مسؤول في هيئة الانتخابات وهو رئيسها الدكتور خالد الكلالدة علنا عن عمليات عبث بالنتائج حصلت في الماضي، من دون أن يفهم المراقب ما هي قيمة جرعة الشفافية عند الكلالدة التي تشكك بأثر رجعي في برلمانات سابقة وبدون ان يعرف المناخ السياسي ما الذي تعنيه هذه الجرعة من المصارحة في مقاربات ومقايسات تعزيز منظومة النزاهة في الانتخابات التي انتهت مساء الثلاثاء الماضي.

الأسئلة في المناخ الانتخابي الأردني كبيرة وكثيرة، والملاحظات أكثر، أما الأدلة والقرائن على كل المزاعم والادعاءات فهي نسبيا قليلة وغالبا نادرة سواء تعلق الأمر بمزاعم النزاهة المطلقة أو بمزاعم حصول عبث أو تزوير أو تلاعب.

 وتلك عملية مرهقة خلطت أوراق المسألة الانتخابية عند الرأي العام وانتهت دوما بنسب اقتراع متدنية في الكتلة الديموغرافية التي يحق لها الانتخاب من دون أن تقف الدولة ومعها قادة الرأي العام بالمستوى الوطني تفاعلا مع لحظة الحقيقة أمام السؤال المتعلق بالإصرار والعناد على هندسة انتخابات لن تنتهي في كل الأحوال لو غابت ببرلمان قوي بمخالب تشريعية يعيق أو يستطيع إعاقة أي مشروع تقرره الدولة.

المسألة قد تتعلق بما يسميه وزير البلاط الأسبق الدكتور مروان المعشر كلفة الإصلاح وعدمه.

لكن الانتخابات في كل موسم عليها ملاحظات تتراكم وتخسر من ميزان مصداقيتها، وأعداد المقترعين لا تزيد قياسا بنسبة الزيادة السكانية، والبرلمانات التي تتشكل تنتهي أو تحل في سياق جدلي، إلا ان التجربة نفسها تتكرر حيث هندسة غير منضبطة تتأثر بالمتغيرات اليومية الكبيرة ولا تنتهي إلا باحتقان وغضب في الشارع الذي يمارس بدوره حنينا بلا آفاق لانتخابات نزيهة وديمقراطية فعالة وبرلمان حقيقي.

يبدو الانطباع هنا بأن قوى في الخارج والداخل لديها مصلحة في التموضع الحالي لمشارع الانتخابات في الأردن وان كانت المراوحة بين حسابات الدول المجاورة والعنصر الإسرائيلي وبين تقاطعات الحاجة الملحة داخليا لا تزال تتصدر المشهد في مفارقة متسعة وعميقة وكبيرة.

وهي نفسها المفارقة التي تجعل شخصية وازنة مثل العرموطي عالقة بالسؤال: لماذا يكرهونني ولا يريدونني في البرلمان؟

واحدة من أهم ألغاز سؤال من هذا النوع تتمثل في أن تلك الجهات التي يسأل عنها العرموطي أو غيره لا تزال خارج نطاق التعريف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق