اراء و مقالاتمقالات وآراء

بعد «فتية» المناصب والحقائب… الأردن بين «كذبة» شح الموارد والامتناع بقرار عن «تعريف الأزمة»

 

 يبدو باحث وأكاديمي وسياسي أردني بارز من وزن الدكتور مصطفى الحمارنة مهتماً بتذكير الجميع وعلى طريقة الصدمة الكهربائية بأن جذر الأزمة المتشعبة في البلاد «إداري» في الدرجة الأولى، وليس تعبيراً عن أزمة في الموارد الاقتصادية والشحيحة.
يصمت الحمارنة، وهو الآن عضو في مجلس الأعيان، كثيراً ويعتزل الأضواء، لكنه يلقي بتشخيصة المثير بين الحين والآخر، وإن كان قد عبر في أكثر من جلسة عصف ذهني مع «القدس العربي»عن شعوره عندما يتعلق الأمر بالتشخيص الوطني بأنه يتصرف مع المسؤولين الكبار عندما تستفسر منه الحكومات تماماً كالمطرب أو عازف اللحن نفسه.

التعليم عن بعد احتفظ بمشكلاته والقطاع الصحي يواجه تحديات

يعرف الجميع في صالونات ونخب عمان أن الدكتور الحمارنة صريح للغاية في التشخيص العلمي، ويعتزل الأضواء ما استطاع، لكنه وفي إطلالة عن بعد أمس الأول مع طلبة معهد الإعلام الوطني، عزف الأسطوانة نفسها، وحاول التأشير على مشروع أكاديمي بحثي أصبح تقليداً منذ أعوام قليلة فقط باسم الحالة العامة للبلاد.
مؤخراً، وضعت الرتوش على التقرير السنوي بالسياق المثير، لكن الحمارنة ترك مطبخ المجلس الاقتصادي الاجتماعي وانضم إلى مجلس الأعيان. وفي محاولة متجددة ومتكررة للإجابة عن سؤال وهوية الأزمة في الأردن، يجتهد حمارنة وغيره من كبار الباحثين، ويجتهد أيضاً السياسيون، من دون التمكن حتى اللحظة من الوصول إلى تشخيص توافقي على تعريف الأزمة في البلاد.

كشف العورة التشريعية

أسئلة حساسة في السياق برزت مجدداً مع هندسة «لا لون ولا طعم لها» أنتجت مجلساً منتخباً جديداً للنواب يخلو من القوى السياسية، وفضيلته الأساسية بعد نتائج الانتخابات أنه كشف العورة التشريعية الأهم برأي الوزير والبرلماني السابق الدكتور محمد الحلايقة، الذي يقدر رداً على استفسار لـ«القدس العربي» بأن المعطيات المتعلقة بالانتخابات الأخيرة تثبت وجود «عورة» تشريعية اسمها القانون الحالي للانتخاب.
حتى الخبير القانوني الأقرب للموقف الرسمي، الدكتور نوفان العجارمة، أطل على شاشة تلفزيونية محلية، مفتياً بأن القانون الحالي يصلح للأحزاب وليس للأفراد. ولا يتعلق الأمر عند محاولة فهم الأزمة بملف الانتخابات فقط أو هندستها، ولا بما يقوله الدكتور الحمارنة رافضاً التشبث بذريعة الموارد الاقتصادية الشحيحة، بل يتعدى المشهد ضمن سلسلة اكتشافات بيروقراطية لعيوب يعتقد بأن الأردنيين ليسوا بصدد توقعها أصلاً.
في المشهد الصحي مثلاً، لا أحد يجيب عن سؤال بسيط جداً يردده بسطاء المواطنين: كيف تنجح القوات المسلحة الأردنية في إقامة مستشفى ميداني مجهز خلال وقت قصير فقط ضمن مهام الإغاثة الإنسانية في الخارج، بينما تلوك حكومتان كبيرتان الفكرة نفسها طوال تسعة أشهر؟ يكتشف المراقبون الآن أن خطة الحكومة السابقة المعلنة من آذار/مارس الماضي في تجهيز مستشفيات ميدانية، لم تنفذ وأن الحديث قبل 8 أشهر عن رفع نسبة وعدد غرف العناية الحثيثة كان على الورق رغم عشرات اللجان الوزارية والقرارات التي وصفت بأنها جريئة.
يكتشف الخبراء والخبثاء أيضاً، وهم يتفاعلون مع الحدث، بأن نظام التعليم عن بعد مثلاً يواجه وللشهر الـ 10 على التوالي المشكلات نفسها دون تطوير أو آليات، حتى أن ناقداً حراكياً مثل الشيخ محمد الحديد، يسأل وبكل بساطة: ما الذي كان يفعله أصحاب المعالي والألقاب الكبيرة؟ ما الذي قدمه أولئك الفتية الذين نيطت بهم حقائب ومناصب وحصلوا على رواتب عالية من خزينة الدولة الأردنية؟
تلك طبعاً أسئلة برسم الإجابة حول هوية الأزمة، ومن الصعب القول ببداية تدشين محاولة للإجابة عليها قبل تعريف الأزمة، الأمر الذي يقفز ويعيد التذكير بمداخلة شهيرة لرئيس الوزراء الأسبق والمخضرم عبد الرؤوف الروابدة، قال فيها بأن ما ينقص الأردن ويحتاجه هو الإصلاح الإداري وليس أي إصلاح آخر.
غريب في مسألة الإصلاح الإداري وجود نقاط مشتركة بين مثقفين ليبراليين وسياسيين محافظين. والأغرب أن الأمور في المسألة الإدارية لا تعالج بقدر ما تناقش طوال الوقت. وفي مثال آخر حيوي، يكتشف المعنيون بالقطاع الصحي ومع وباء كورونا نقصاً حاداً في أطقم الطب الاختصاصي والإنعاشي والتخديري، فتتكوم أزمة في القطاع، مع أن «القدس العربي» استمعت منذ أكثر من 3 أعوام لوزير الصحة الأسبق الدكتور محمد الزبن، وهو يتحدث عن الأزمة نفسها، ما يدفع مجدداً لتكرار نفس السؤال: ما الذي كان يفعله وزراء الصحة المتعاقبون في الماضي؟
يحرج الملك عبد الله الثاني شخصياً كبار المسؤولين وصغارهم والمواطنين وهو يجد نفسه في اجتماع سيادي مضطراً ليس لتذكير المواطنين بأهمية ارتداء الكمامة فقط، ولكن بخلعها ثم ارتدائها بالطريقة الصحيحة أيضاً.

غياب الإصلاح السياسي

تلك مسألة تقول ضمنياً بأن المستويات التنفيذية لم تفعل قبل المشهد الملكي شيئاً حقيقياً لإرغام المواطنين على ارتداء الكمامة أو تثقيفهم بالمسألة على الأقل، كما يقترح عضو البرلمان خليل عطية.
الأمثلة والنماذج أفقية ومتعددة على تلك الحقيقة التي تقول بأن الأزمة يشعر بها الجميع ويعاني منها الجميع، لكنها غير معرفة بعد.وثمة من يتصور بأن أصل الأزمة غياب الإصلاح السياسي أو الإصرار على العبث بالانتخابات.
وثمة من يقف مطولاً على محطة التنظير محاولاً الإجابة عن سبب الأزمة وهو يتحدث عن شح الموارد الاقتصادية، أو عن البعد القدري في الجغرافيا السياسية، أو عن الصراع العربي الإسرائيلي، أو عن البوصلة الإقليمية والجوار المتعسف. وكل تلك التنظيرات موجودة ومستقرة في أرشيف ومتحف التراجع في الحالة الإدارية والسياسية والصحية والبيروقراطية الأردنية، رغم أن رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عمر الرزاز، أمطر الجميع ولعامين كاملين وهو يتحدث عن التسلل في الإدارة العليا للدولة بهدف إعادة إنتاج وتطوير نظام الخدمات في القطاع العام فقط.
لكنها تنظيرات تظهر هشاشة التوافق الوطني على الحد الأدنى من تعريف الأزمة بعد عقود من التكلس والامتناع عن تعريف المواطن الأردني.
وعليه، تصبح -بعيداً عن التجاذب السياسي- عبارة الحمارنة عن الأزمة الإدارية مفتاحاً للتحرك المضاد إذا ما اقتنعت مراكز القوى والقرار أصلاً بأن مصلحة البلاد والعباد تبدأ مع تعريف شكل الأزمة وملامحها وهويتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق