اراء و مقالات

بعد وفاة ملاكم ومشاجرة ضحيتها قتيلان في الأردن: شارع «محتقن وغاضب» وأزمة «تمثيل» وخصومة تقترب من «السيادي»

عمان – «القدس العربي» : يتوفى ملاكم فتي وشاب وصغير السن أثناء مباراة مع بطل العالم في بولندا، فتصبح المسألة قضية رأي عام وتتدحرج في اتجاه فتح ملف كل ما يجري في اتحادات الرياضة الأردنية.
يختلف شابان في المقابل ويتشاجران بسبب «طائر- حمامة» في أحد أحياء العاصمة، وينتهي الأمر بقتيلين، فتتدحرج أيضاً الأزمة في سياق عشائري وقبلي تضطر معه مؤسسات الدولة الأمنية للوقوف على الوتر العصبي المشدود، فيما يسترسل الشارع مجدداً في التعبير عن خوفه من العنف الاجتماعي.

العنف الاجتماعي

هكذا يكبر حجم الإشكالات التي تحصل في الحالة الأردنية، فقضية الشاب الملاكم بعد وفاته في مباراة قتالية، تتحول إلى رمز جديد في عالم الفساد ومشاجرة انتهت بجريمة وقحة وبشعة في الواقع، تعزز الاحتقان الاجتماعي وتنتهي برد الفعل عليها بكاميرا تصور حدثاً يحصل لأول مرة، فرجال الحرس على إحدى بوابات الديوان الملكي في العاصمة يطلقون الرصاص في الهواء بعدما تشكل انطباع بأن أقارب القتيلين من أبناء عشيرتيهما، في حالة انفعال قد تنتهي باقتحام بوابة في المقر الملكي الذي لا تربطه أي صلة، لا قانونياً ولا سياسياً ولا وطنياً، بحادث أهلي أصلاً.
تبدأ الإشكالات صغيرة في عمق المجتمع الأردني، ثم تكبر ومع غياب الحكومة ومجلس النواب عن القيام بدورهما الحقيقي في تمثيل الناس ومتابعة ملفاتهم، والولاية العامة تذوب المسافات، وتزداد حدة الهتافات؛ فيصبح مطلوباً من مؤسسات لا علاقة لها بالأمور التصرف والاحتواء.
منذ أعوام يحصل ذلك، لكن ومجدداً العنف الاجتماعي والقسوة والغلاظة في التعبير الشعبي – برأي خبير من طراز ووزن الدكتور محمد الحلايقة، رئيس المجلس الاقتصادي الاجتماعي- مؤشران حيويان على حجم توتر المواطن الأردني والأعصاب المشدودة، وقد يكون الأهم على ما يعنيه وينبغي أن تقرأه الدولة بعنوان الاحتقان الاقتصادي.
لا أحد يعرف طريقة لإقناع الرياضيين الناقدين والغاضبين الذين فقدوا زميلاً لهم عمره 18 عاماً بعد مباراة ملاكمة قتالية في بولندا، بأن المسألة لها علاقة بمتطلبات اللعبة، وبأن الحادث لا علاقة له بما يقال في بيانات الشارع عن الواسطة والمحسوبية والفساد ونقص التدريب والتأهيل في بعثات الرياضيين إلى الخارج.
ولا أحد يمكنه أن يشرح لقاعدة عشائرية غاضبة، ومن حقها الغضب بالمناسبة بسبب جريمة ارتكبت بدم بارد وبدون مبرر، بأن الغضب والكلفة الباهظة للجريمة لا يبرران في النتيجة -وطنياً- الإصرار على إعدام القاتل وخلال 72 ساعة ورمياً بالرصاص قبل حتى انعقاد محكمة الجنايات.
الجميع غاضب لسبب أو لآخر، والاحتقان الاقتصادي -حسب نائب رئيس مجلس النواب أحمد الصفدي- يضرب مزاج المواطن ويذهب بالاحتياجات الأساسية إلى دائرة الغموض، فيما يصرح خبير اقتصادي بارز في البرلمان الأردني هو الدكتور خير أبو صعليك، متسائلاً علناً: أين خطة الحكومة الاقتصادية؟
ليست تلك المرة التي يتضرر فيها أو حتى يتوفى ملاكم رياضي. لكن هي المرة الأولى التي ترصد في الأردن في ظل هوس منصات التواصل وعلى أساس أن شيئاً ما خاطئاً حصل ويدفع في اتجاه نفض الغبار عن المسكوت عنه في اتحادات الرياضة وبعثاتها لتمثيل المملكة في الخارج.

تعبير جوهري وعميق

يسقط الرياضيون أثناء الاشتباك، لكن في زمن الجائحة كورونا الانفعالي صورة الشاب شهيد الملاكمة الرياضية الفتي اخترقت وجدان الأردنيين، ونشرت بكثافة على منصات التواصل، مقترنة بالنظرية الأقرب للتداول والتصديق دوماً والتي تفترض بأن إرسال الشاب أصلاً إلى بولندا ثم وضعه دون تدريب وتأهيل أمام بطل العالم، من مؤشرات الفساد.
ويسقط أردنيون صرعى في كل المواسم وطوال الوقت جراء مشاجرات بين أشقياء، وتتخذ البوصلة اتجاهات عشائرية في كل الأحوال تخفق دول القانون بالسيطرة عليها، لكن الهتافات هذه المرة أيضاً حادة جداً وتجاوزت الخط الأحمر، وممثلو السلطات يجدون صعوبة في إقناع أقارب الضحايا المغدورين بأن أجهزة الدولة هي التي ينبغي أن تتصرف، وبأن مفهوم ومنطوق دولة القانون والمؤسسات يعني ببساطة إجراء تحقيق شامل ومفصل، وانعقاد محكمة هي التي تقرر العقوبة وكيفية تنفيذها، وليس الشارع أو الحكومة أو الدولة. في الحادثتين تعبير جوهري وعميق عن أزمة المصداقية واستقرار شعور المواطن الأردني بأن خصمه الرئيسي هو فساد ما نتج عنه مشكلة أو جريمة ما، وهو فساد موجود حتى وإن كان افتراضياً.
كيف تتغلب أي دولة على منطق من هذا النوع؟ سؤال منطقي تثيره قسراً معطيات الإشكالات عندما تحصل ثم تتدحرج وسط الرأي العام الأردني.
والإجابة عنه تعيد الجميع ليس فقط إلى عودة العنف الاجتماعي بين الحين والآخر، ولا فقط لاستسهال توجيه الاتهام للسلطة والمسؤولين، أو للتحدث عن التأزيم والتوتر والتشنج الاجتماعي، ولكن أيضاً إلى أزمة مصداقية الدولة مع الناس ومصداقية الخطاب الرسمي.
وهي أزمة يوافق حتى رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة، على هامش نقاش ثنائي وذهني مع «القدس العربي» على أن إنكارها لا يشكل خطوة حكيمة في اتجاه تنميط العلاقة ما بين خطط واستراتيجيات الحكومة ومشاريعها وبين قناعات وإشراك المواطن بتلك الاستراتيجيات.
نعم، يقر رئيس الوزراء بوجود أزمة مصداقية تواجه الخطاب الرسمي، ولديه أمل في إعادة بناء تلك المصداقية. لكن من الصعوبة بمكان ترسيم وتحديد تلك المسافات الفاصلة بين خلل نتج عن قصور تشريع أو تقصير في الأداء الإداري والبيروقراطي وبين قناعات المجتمع وسلوكياته وفقدانه الثقة بالمؤسسات، حتى إن المناشدات لا بل الخطابات في الحدثين المشار إليهما بقضية الملاكم الراحل ثم المشاجرة القاتلة ومعهما الانفعالات الأهلية كانت في اتجاه الديوان الملكي.
والسبب واضح ولا يمكن إنكاره؛ فالناس تلجأ إلى المؤسسة المرجعية لأنها تؤمن بعبثية تحصيل حقوقها ضمن عناوين دولة القانون والمؤسسات، حيث الحكومة تلازمها أزمة المصداقية، ومجلس النواب لا يمثل إلا نفسه.
تلك واحدة من المجازفات السياسية المألوفة التي تكثر من الخطابة دون الممارسة في قصة التمثيل البرلماني ودولة القانون والمؤسسات، لكنها وعلى القيمة النبيلة الناتجة عن التوجه في الخطاب والانفعال نحو المؤسسة السيادية المرجعية، مجازفات قد تكرس خصومة اجتماعية ليست في مكانها الصحيح مع مؤسسة سيادية تملأ فراغ بقية المؤسسات الدستورية.
وهو فراغ ليس من الصعب القول اليوم بأنه ناتج عن مغامرات تهميش مؤسسة مجلس النواب وغيبوبة الولاية العامة، وكلاهما -بطبيعة الحال- ثمرة لأزمة أعمق هي أزمة الأدوات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق