اراء و مقالات

بعد وفيات «الطوارئ»… الأردن في سؤال سياسي متكرر: هل «استقالة» وزير هي الحل للمنظومة الصحية؟

عمان – «القدس العربي»: ينتقل وزير الصحة الأردني الدكتور فراس الهواري، إلى أصل القصة وجوهرها وهو يعتذر علناً بأن «تبديل الأشخاص» بين الحين والآخر قد لا يشكل حلاً لمشكلة المنظومة الصحية في البلاد.
غضب كثيرون في الأردن من الوزير الهواري؛ لأنه أعلن عدم نيته الاستقالة، وبالتالي تفعيل بند موسمي باسم المسؤولية الأدبية والسياسية بعد حادثة وفاة الطفلة لين، جراء انفجار الزائدة الدودية إثر التأخر والتقصير في معالجتها، لا بل إنقاذها في أحد أكبر مستشفيات الحكومة الأردنية.

جرأة سياسية

ما قاله الهواري ضمناً هو خضوعه شخصياً، من حيث الاستقالة من عدمها، إلى قرار صاحب الأمر الدستوري، ثم الخضوع لما يقرره البرلمان أن قرر سحب الثقة. لكن جرأة الوزير الطبيب تمثلت في أنه أعلن ضمنياً بأنه لن يستقيل طوعاً أو بقرار ذاتي على أساس أنه حضر لموقعه أصلاً لمعالجة تلك المشكلات التي أدت إلى وفاة الطفلة لين، مقترحاً بأن تبديل أو تغيير وزير ما قد يصفق له البعض، لكـنه لا يـمثل حـلاً إطـلاقاً.
تلك جرأة سياسية وبيروقراطية من وزير تكنوقراطي يرفض الاستسلام لمنطق الشارع، ولا يحفل بالشعبويات؛ فالطفلة لين توفيت وسبقتها الطفلة غنى ومعهما سيدة، ولم ينفِ الوزير حصول خطأ وتقصير، لا بل تقررت عقوبات ضد المقصرين. لكن جرس السؤال الذي قرعه الهواري دون وقبل غيره وبجرأة، تحسب له هو: كيف ستتبدل الأمور باستقالة أو إقالة وزير والعودة للمربع الأول مع وزير جديد؟
وجهة نظر وزير الصحة الأردني في مجمل ملف إعادة هيكلة المنظومة الصحية سمعتها «القدس العربي» منه مباشرة وبالتفصيل قبل حادثة الطفلة لين التي أقلقت الأردنيين وألهبت الأسئلة البيروقراطية مجدداً، وسط حالة تقصير لا يمكن للحكومة إنكارها، وحالة قصور في خدمات القطاع العام لا يوجد مسؤول واحد ينفيها، لا بل حالة تراجع في الخدمات العامة بصم عليها -في تقرير موثق بحالة البلاد- المجلس الاقتصادي الاجتماعي عندما كان يترأسه أكاديمي صريح هو الدكتور مصطفى الحمارنة.
قال الوزير الهواري، بوضوح، بوجود مشكلات كبيرة، وأقر بوجود خلل إداري صعب ومعقد ومتراكم في وزارة الصحة، وشرح بين يدي «القدس العربي» خططاً طموحة للمعالجة والمواجهة، مصراً على ترتيب التحديات والمشكلات على أساس أنها ليست مالية، فالمال يمكن تحصيله بطريقة أو بأخرى، بل المشكلة إدارية بامتياز. وهي أيضاً ليست مشكلة سياسية، فملفات الصحة العامة -حسب الوزير الهواري- تحظى بدعم كبير ومطلق من الملك ونجله ولي العهد، وبقية المؤسسات السيادية في البلاد.
والحلول المقترحة بدأت أصلاً منذ أشهر قليلة عبر سلسلة اتفاقيات مع جامعات وكليات طب، ومع برامج تمويل دورية، وعبر نفض الغبار عن مقرات موجودة أصلاً ومنشآت صحية وتشغيلها، وأيضاً عبر مناولات ومداولات تتجاوز المألوف والكلاسيكي والمتكلس في المستويات الإدارية والوظيفية.
بدأ الوزير الهواري مشروعاً تحت عنوان إنقاذ المنظومة الصحية، ويريد إكماله، في الوقت الذي يتحدث فيه بعض النواب وأحياناً بعض حراكات الشارع، عن سحب الثقة من وزير الصحة. وهو أمر قال الهواري بوضوح إنه حتى وإن حصل فسيرحب به في السياق الدستوري، لكنه لن يعفي الأردنيين جميعاً، بمؤسساتهم، من مشاعر وكلفة المسؤولية عما حصل للطفلة لين، وقد لا يمنع تكرار السناريو الذي حصل مع غيرها لاحقاً.
تلك الصراحة عند وزير حضر لوزارة خطيرة ومهمة من خارج القطاع العام، تزعج كثيرين وأغضبت حتى الشارع أحياناً، ودفعت كثيرين لاتهام الهواري ببعض الغرور، لكن ما يراه بعض الساسة أن الجميع وإزاء مسألة لها علاقة بتهاوي المنظومة الصحية وتراجعها أمام خيارين، هما: الاستمرار في إقالة وزير للصحة وتعيين خليفة له، أو التركيز على العمل والإصلاح والاشتباك، الأمر الذي يفضله الهواري ويتحدث عنه علناً.

«لم يعد مهماً»

لكن بقاء الهواري وزيراً أو عودته إلى غرف العمليات طبيباً لم يعد مهماً، فالأردنيون يشعرون بالقلق، وخلال أزمة كورونا فقط تقلب ثلاثة وزراء على سدة وزارة الصحة، واستقال أحدهم -وهو العالم الطبيب نذير عبيدات- أدبياً بعد حادثة السلط الشهيرة. وبوضوح، لم تساهم استقالة عبيدات في عدم حصول الحادث الدرامي الذي حصـل مع الطفلـة لين.
وبوضوح أيضاً، وسياسياً، فإن إقالة الهواري واستبداله لا تعني بأن ما حصل مع الطفلة الراحلة لن يحصل لاحقاً في غرف الطوارئ، فمنصات التواصل الاجتماعي المحلية كانت تنقل للتو عن أحد أطباء مستشفى البشير الحكومي الذي حصلت فيه حادثة لين، وصفه لغرفة جراحة الطوارئ بأنها أقرب لمسلخ، وسؤاله عن ما إذا كان طبيب جراح ومقيم في الكون يستطيع فعلاً التعامل مع 90 مريضاً في اليوم الواحد في حالة سيئة.
لفت الطبيب نفسه، بصراحته أيضاً، أنظار المجتمع إلى أن حالات الوفاة الناتجة عن التقصير مخجلة ومؤسفة، لكن الإعلام والجمهور يتحدثان عنها ولا يتطرقان لإنقاذ آلاف الأرواح من الأردنيين يومياً في نفس مستـشفى البشـير الشـهير، الذي أصبح الآن عـنواناً متجدداً لأزمة قديمة ومزمنة اسمها أزمة القـطاع أو المنـظومة الصـحية الأردنية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق