اراء و مقالاتمقالات وآراء

بين خاشقجي واليمن و«حريات» المصريين… هل يبحث السيسي وبن سلمان عن الاستثمار في «بضاعة الأردن»؟

يمكن ببساطة فهم علاقة مفترضة بين زيارة خاطفة قام بها إلى أبو ظبي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، وأخرى ليست خاطفة قام بها، أمس الإثنين، إلى عمان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
المناخ في المحور المصري الإماراتي يشوبه بعض التوتر، والأردن يستثمر في علاقاته المميزة بين الطرفين، ثم في وضعه الإقليمي الجديد على طاولة الحدث على أساس تأشير واضح له علاقة بالبقاء في مسافة آمنة من كل احتياجات ومتطلبات إبقاء وتمكين دول المحور السعودي المصري.
يبرر ذلك أيضاً التزامن بين زيارة الملك الأردني لأبو ظبي واللقاء الذي عقده وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي مع نظيره السعودي، حيث يمكن القول إن بعض الألق يعود إلى دور الأردن البيني الفاعل داخل دول المنطقة الحليفة والصديقة، وعلى أساس نظرة متجددة للمواقع والمواقف في ظل مستجدات الرئاسة الأمريكية.
المثير في المسألة أن الرئيس السيسي سبقته مقدمة أمنية ويرافقه وفد كبير وعريض هذه المرة على أمل أن تتمكن عمان من مناقشته مجدداً بكل الملفات الثنائية والإقليمية، وتحديداً في الجزء الذي تهتم به القيادة الأردنية أكثر من غيره، وهو العلاقات التجارية البينية والتعاون في مجال النقل والتجارة بين مصر والأردن والعراق، حيث تتطور نظرة الأردنيين إلى إقامة دبلوماسية تستند إلى تبادل المصالح والمنافع.

بايدن وبيرنز على خط عمان مرحلياً وتقليص الخلافات بين أبو ظبي والقاهرة

خلف المشهد رغبة أردنية في الاستعداد لبرنامج الانتخابات الفلسطينية الذي سيعني شيئاً مختلفاً هذه المرة بعدما شهدته المصالحة الداخلية بين حركتي فتح وحماس من تقدم.
وخلف المشهد ما التقطته المجسات الأردنية أيضاً، بعنوان خلافات بدأت تتوسع بين أبو ظبي والقاهرة على خلفية عدة مسائل، بينها وقف الاستثمارات الإماراتية في مصر، وبينها ما بعد المصالحة الخليجية الداخلية وعتب وغضب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إبعاد مصر السيسي، قدر الإمكان، عن محور تفاهمات المصالحة التي جرت في مدينة العلا السعودية، حيث كان يفترض أن يحضر السيسي لكن الظروف تغيرت.
المؤسسة المصرية كان لها عتب مر خلف الستارة، حيث شاركت بفعالية في الحصار على قطر لصالح المنطق الإماراتي والسعودي، لكنها غابت أو غُيبت عند تفاصيل المصالحة وإنهاء الحصار، وهو عتاب سمعه وزير الخارجية الأردني الصفدي على الأرجح مؤخراً من نظيره المصري سامح شكري.
رئيس وزراء الأردن الدكتور بشر الخصاونة، وقد عمل على المحور الخاص سنتين قبل رئاسة الوزراء، يتصور دوماً بأن بلاده تستطيع أن تبقى في موقع المناورة والمبادرة، حفاظاً على العلاقة الأساسية مع دول مثل مصر والسعودية.
سمعت «القدس العربي» الخصاونة، وجهاً لوجه، وهو يتحدث عن علاقات أخوية وعميقة محكومة بالجغرافيا والتاريخ بالنسبة لبلاده مع الشقيقين السعودي والمصري.

سقف البوصلة

وسمعته أيضاً وهو يتحدث عن صعوبة المجازفة في التباين سياسياً بعيداً عن الحرص على بقاء العلاقات متقدمة واستراتيجية مع الشقيق الإماراتي.
الخصاونة بهذا الطرح كان يجيب عن تساؤلات «القدس العربي» حول الأسباب التي تجعل تنمية اتصالات أو علاقات بلاده مع دول إقليمية مهمة، مثل تركيا وإيران، أقرب إلى مغامرة، مشيراً إلى أن مصالح الأردن وعمقه الاستراتيجي مرتبطة جذرياً بالدول الشقيقة في مصر والسعودية والإمارات، دون أن يعني ذلك عندما تحتاج المصلحة عدم الاتصال بأي أطراف أخرى.
يبدو تماماً أن ما يؤشر عليه الرئيس الخصاونة والفضاء الذي يتحرك به الوزير الصفدي، يمثل سقفاً لبوصلة واتجاهات القيادة الأردنية المرجعية. وهي بوصلة أصبحت متمكنة أكثر مؤخراً، لا لأن المصالحة الخليجية تنسجم مع ما دعا إليه الأردن في الماضي مراراً فحسب، ولكن لأن ملك الأردن هو الزعيم العربي الوحيد الذي اتصل به حتى الآن وتحدث معه الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن مستعرضاً قضايا عدة. وأيضاً لأن الأردن جازف بالبقاء بعيداً ومعزولاً إلى حد ما في عهد الرئيس الأمريكي الراحل دونالد ترامب خلافاً لأن رئيس الاستخبارات الأمريكية الجديد وليام بيرنز صديق قريب جداً وموثوق للمؤسسة الأردنية.
وفي الخلاصة، وخلافاً للواقع النخبوي في أبو ظبي والرياض والقاهرة، ثمة تراكم في عدد الشخصيات السياسية الأردنية القريبة جداً اليوم من شخصيات اختارها الرئيس بايدن في طاقمه. وثمة خبرة أردنية متقدمة مع طاقم الديمقراطيين الجديد، حيث يعتقد سياسياً وعلى نطاق واسع، بأنها خبرة مطلوبة، على أساس ما يقوله الخبير في مجال الاستثمار وعلاقات التشبيك ياسر الحنتولي، من أن البوصلة السياسية الأردنية تنجح في التموقع بين المسافات الآمنة، الأمر الذي يحافظ على موقع متقدم للدولة الأردنية بين الفرقاء أو حتى عند حصول تصدعات. ويصر الحنتولي على أن التوازن الدبلوماسي الأردني والسياسي مفيد ومنتج في الاشتباك، ويعبر عن قيمة مضافة، خصوصاً في ظل المبادرات الحراكية الملكية التي تؤسس مساحات للمناورة والحركة أمام الدبلوماسية والنخب والحكومة الأردنية.

بن سلمان وبن زايد والسيسي بالقائمة

بمعنى آخر، ثمة «بضاعة» اليوم يستطيع الأردن تسويقها وعلى أساس رغبته في إعادة إدماج العراق قدر الإمكان، والحد من خسائر التسوية على المسار الفلسطيني. والأهم، على صعيد تمثيل صداقاته العربية ونقل رسائلها أحياناً والتخفيف من حدة التوترات بينها وبين واشنطن بحلتها الجديدة. في واشنطن يتحدث مراقبون عن تقارير أولية بدأت تصنف في أوساط الديمقراطيين بعض الزعامات العربية على أساس أنها نظيرة للرئيس ترامب وتشبهه، لا بل محسوبة عليه.
وليس سراً للدبلوماسية الأردنية تحديداً بأن هذه القائمة قد تشمل ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد، لكن من المؤكد – حسب معلومات أردنية – أنها تشمل الرئيس عبد الفتاح السيسي والأمير محمد بن سلمان، ما يعني تلقائياً بأن المنتج الأردني السياسي قد يكون مطلوباً وبقوة من قبل هذه الزعامات العربية في الأيام والأسابيع القليلة المقبلة. ولا يمانع هنا سياسيون أردنيون من الهمس بأن رأس السيسي مطلوب للديمقراطيين على أساس الحريات وانتهاكاتها، وبأن بناء أي علاقة مع محمد بن سلمان يواجه مطبات وكمائن تبدأ من الوضع في اليمن، وتعبر إلى ملف المغدور جمال خاشقجي.
وليس سراً أيضاً بأن الطاقم في الإدارة الديمقراطية، وفي تواصلاته مع بعض الأردنيين والفلسطينيين، يتهم أبو ظبي والرياض بالمبالغة في دعم وتمويل برامج سياسية وإعلامية ضد المرشح الديمقراطي في الانتخابات الأخيرة.
يفترض في ضوء هذه المعطيات أن تلعب الدبلوماسية الأردنية بورقتها، فعمان صديق موثوق لدول تترقب خطوات إدارة بايدن، والبضاعة الدبلوماسية الجديدة ستجد من يتحمس لشرائها والتعامل معها بنشاط، أملاً في دور أردني وسيط يخفف من حدة بايدن ورفاقه الجدد. لذلك، يزداد تواصل الوزير شكري مع نظيره الأردني الصفدي. ولذلك أيضاً يستفتي الوزير السعودي عادل الجبير و»يستنصح» أصدقاء أردنيين.
ولذلك، في المقابل والتوازي، تتحرك المؤسسة الأردنية في سياق تبديد الخلافات أو التباينات قدر الإمكان في دول المحور السعودي، على أمل تعزيز مساحة الحراك الأردني النشط، وبالتالي الوساطة مع الديمقراطيين ورموزهم، وفي الأثناء – وهذا مهم جداً – وضع تصور لقائمة التنازلات المطلوبة في الملفات العالقة بين الأمريكيين وكل من مصر والسعودية والإمارات.
وفي الاستنتاج النهائي يصبح استقبال السيسي في عمان بعد زيارة الملك لأبو ظبي والمنامة، برفقة وفد عريض ومهم، محطة في السياق المشار إليه، تؤسس لتدشين بعض الحرارة وسط الأجواء الباردة عشية العام الجديد مع الإدارة الأمريكية الجديدة في حالة تموقع براغماتية يمكنها أن تعيد إنتاج لفت النظر إلى الاحتياجات الأردنية لاحقاً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق