اراء و مقالاتمقالات وآراء

«تأزيم» يمكن الاستغناء عنه في الأردن و«الذروة» بعد ملفي الشبيلات والعويدي بثنائية «الطراونة – الرزاز»

قد لا تزيد عن ساعة فقط تلك المسافة الزمنية التي تفصل بين مشهدين في الحالة المحلية الأردنية قبل وصولهما إلى قمة ذروة الإثارة والتأزيم، والأهم إلى الكلام الكبير بين رئيسي السلطتين التنفيذية والتشريعية.
يتقدم رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز بما سمّاه الإعلام الرسمي بـ»كلمة موجهة للأردنيين» تعرض حيثيات استعادة أموال الدولة، وبعد أقل من ساعة تقريباً يعلن نقيب المقاولين الأسبق وشقيق رئيس مجلس النواب أحمد الطراونة، على صفحته التواصلية: «الآن تم اعتقالي».
لاحقاً، يتطور مسار الأحداث على الطريقة الأردنية، فيتجمع بعض أبناء عشيرة الطراونة في موقعين احتجاجاً على استهداف المقاول «الوطني» وأبناء عائلتهم، مع أن المسألة تتعلق بقرار للادعاء العام بتوقيف الرجل على ذمة التحقيق بأحد عطاءات المقاولات قبل أن تكتمل دائرة الإثارة والتأزيم ببيان لرئيس سلطة التشريع المهندس عاطف الطراونة، يتحدث فيه عن استهداف عائلته وعن صمته لفترة طويلة، ويضع الكرة بين يدي الرأي العام.
بيان الطراونة كان أقرب إلى منصة إطلاق صواريخ سياسية تضامناً مع شقيقه الموقوف، باعتبار التوقيف خصومة سياسية لها علاقة بسعي الحكومة لتصفية حسابات سياسية معه ومع عائلته بما سمّاه «أذرع الحكومة الرقابية».
خلط الشقيق الأكبر للمقاول الموقوف، عدة أوراق في الوطنية والسياسة والتحقيقات، وأعلن تغول السلطة التنفيذية على زميلتيها في الدستور القضائية والتشريعية. وقال إنه بعد الآن لن يصمت في مواجهة تلك القوى الظلامية في مفاصل الدولة التي تحاول المساس بسمعة عائلته.
لو لم يتحدث الطراونة الشقيق عن مفاصل في الدولة وعن تغول على سلطة القضاء لبقي بيانه الساخن رسالة تصعيد في اتجاه الحكومة فقط. لكن القطب البرلماني الأهم في المملكة الآن ومنذ سبع سنوات، تقصد -على الأرجح- توسيع نطاق الاشتباك بلهجة تصعيدية، خصوصاً عندما قرر الاستعانة بالكرة الموجودة في مرمى الرأي العام.
مارس القطب البرلماني هنا عملية دق مقصودة على مسمار الحكومة ورئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز. وهي عملية تعلن التأزيم بين السلطتين في النتيجة، بحيث يصبح التعايش بينهما، على الأقل فيما تبقي من وقت لهما، مهمة صعبة وشبه مستحيلة وسط تداعيات الاستحقاق الدستوري الانتخابي والمسحة الشعبوية في خطاب الرزاز، التي قابلها عملياً تلميح الطراونة للكرة التي بين يدي الجمهور.

ورقة الشارع

كلاهما على نحو أو آخر يلعب بورقة الشارع، وفي الأثناء يعلق المشهد السياسي والعشائري والجهوي في الوقت نفسه، والأهم تعلق تحقيقيات مكافحة الفساد.. خصوصاً أن الملف الذي أوقف المقاول الطراونة بسببه له علاقة باستدعاء وزير الاشغال الأسبق سامي هلسة رسمياً للتحقيق قبل أسبوعين، وهو أحد أقرب المقربين من عائلة الطراونة، إضافة إلى ملف له علاقة أيضاً بكل تداعيات التحقيق والتحقق من العطاءات.
على جبهة موازية، يجلس وزير الأشغال فلاح العموش أيضاً في منطقة التأزيم بعدما تصدى شخصياً، بدعم من الرزاز، لتحويل ملفات العطاءات إلى التحقيق بطريقة انتقدها علناً المعارض ليث شبيلات، واعتبرها تنم عن جهل هندسي وبيروقراطي وتسيء إلى سمعة حتى مهندسي وزارة الأشغال.
وهو نفسه تم الحجز تحفظياً على شركته الهندسية التي يديرها، وتم إيقاف واعتقال أحد أكبر المهندسين العاملين معه في مواجهة علنية مع الوزير العموش، لها علاقة بنفس العطاءات والمقاولات. وبمعادلة قد تتدحرج لاحقاً أيضاً بعدما أعلن شبيلات نفسه عن ورود اسم شركته ومهندسيه في المأزق الجديد

خلافات وتجاذبات

في كل حال، وفي التوازي.. تتحدث هيئة مكافحة الفساد علناً عن «عهد جديد». وخلافاً للمألوف، تصدر توضيحات من سلطات الهيئة لظروف وملابسات توقيف المقاول الطراونة منعاً للجدل، في الوقت الذي يتم فيه تعزيز الحراسات الأمنية على رئيس هيئة مكافحة الفساد الذي اجتمع، بدوره وقبل مستجدات الساعات الأخيرة، بأطقم الهيئة متحدثاً عن ذراع العدالة والقانون وعن عهد جديد وعن متابعة وطنية لكل الملفات قيد التحقيق في ضوء القانون، إضافة إلى تعزيز في الصلاحيات والتشريعات.
تأزيم غير مسبوق بين أقطاب هذه المرة، وصراع مفتوح على الاحتمالات بين مراكز قوى متمرسة في الواقع الموضوعي منذ سنوات برفقة رئيس وزراء يعلن نيته كسر ظهر الفساد، بحيث تتحول هذه النية إلى وسيلة أو تقنية أحياناً للتأزيم الاجتماعي، كما يلمح الطراونة، وأحياناً أخرى للبقاء وإطالة عمر الحكومة.
لا يحتاج الأردن إلى خلافات وتجاذبات من هذا النوع بعد أزمة كورونا وفي ظل تحديات مشروع الضم والوضع الاقتصادي البائس.
لكن الجملة التكتيكية في إدارة تداعيات المشهد لا يبدو أنها متسقة وأقرب إلى الانفلات؛ لأن الخطاب الناري لرئيس سلطة البرلمان، وهو أيضاً رئيس الاتحاد البرلماني العربي، أعقب تطورات ليست سهلة على صعيد بعض الاعتقالات وكيفية تخريجها بعدما طالت سياسيين معارضين أو يتم تصنيفهم على هذا الأساس. بين المستجدات تلك المناخات العشائرية بعد توقيف وإفراج عن البرلماني السابق الذي غادر السجن مؤخراً بعد اتهامه بتقويض الدولة قبل الإفراج عنه فجأة.. سليم البطاينة.
وبين المستجدات أيضاً ذلك الخطاب الغريب والصدامي الذي أدلى به المعارض الدكتور أحمد عويدي العبادي مباشرة بعد الإفراج عنه، متوعداً بإسقاط قيادات بارزة في المستوى الأمني، ومتحدياً بأن يعتقل على الهواء مباشرة للمرة الثانية، ومستعرضاً بطريقة المؤرخ التفصيلي لكل ما حصل معه خلف القضبان منذ لحظة اعتقاله في الشارع.
وفي الخلاصة، ثمة تأزيم له علاقة بأفراد وأشخاص الاستهانة بهم صعبة ومكلفة في الشمال والجنوب والوسط، والأهم أن هذا التأزيم في مرحلة حرجة. والسؤال هو: هل هذا التأزيم على النحو الذي سار فيه مبرمج ومقصود أم ينفلت بين الحين والآخر؟
تبدو الإجابة صعبة قليلاً وحمالة أوجه ومفتوحة الاحتمالات بأن التفاصيل تفلت، ولأن فارق صناعة الحدث و«التقميش» والتكييف القانوني والمهني والسياسي ملحوظ أحياناً في بعض زوايا التفاصيل، بحيث يؤشر بكل الأصابع ومجدداً وكالعادة على أزمة أدوات يفتقد بسببها الطاقم الذي يدير الأمور حالياً إلى الخبرة والعمق والتفاعلات المنسقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق