اراء و مقالات

تزامن فقط أم محض «صدفة»؟… ثلاث «صدمات» في «يوم الاثنين» الأردني الحزين والخطر… والشارع «محتار»

عمان- «القدس العربي»: قد تكون مجرد صدفة زمنية أو سياسية، وقد لا تكون. فيوم الاثنين واحد من أخطر أيام الأسبوع سياسياً بالنسبة لتفاصيل وحيثيات المشهد الأردني الداخلي، لا بل الإقليمي أيضاً، إن جاز الربط على أساس التحليل الموضوعي.
يوم صعب ومعقد تعايش خلاله الأردنيون مع ثلاثة قرارات مهمة ومثيرة للجدل، وتسببت فوراً بضجيج رفيع المستوى.
صباح يوم الاثنين، تم الإعلان عن توقيع اتفاقية أولية تطبيعية ضخمة هي الأولى منذ وقعت اتفاقية الغاز مع الإسرائيليين، وعبر العباءة الإماراتية وبالترتيب مع الاحتلال الإسرائيلي وممثليه في إمارة دبي، وهي اتفاقية نوايا صرح وزير المياه محمد النجار، بأن التفاوض عليها حصل خلال 24 ساعة فقط، وكانت فكرتها «إماراتية» بالمقام الأساسي.
وبالتزامن، وتقريباً في اللحظة نفسها، كان مجلس النواب الأردني يعقد أولى جلساته التشريعية ضمن قراءة أولى في ملف وثيقة تحديث المنظومة السياسية، التي يراهن عليها لإنجاز إصلاح سياسي أو تحول دراماتيكي في الإيقاع السياسي العام خلال السنوات العشر المقبلة.
بالتزامن أيضاً، وفي يوم الاثنين العجيب، بدأ الصراخ يرتفع تحت قبة البرلمان الأردني بعد ساعات من توضيح أدلى به رئيس اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية سمير الرفاعي، ويتعلق بحزمة تعديلات دستورية، صنفها الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي المعارض الشيخ مراد العضايلة، وهو يشرح لـ«القدس العربي» بأنها فوراً تعديلات خطرة جداً وللغاية، ويمكن أن تقود إلى تغيير شكل النظام السياسي الأردني.
ثلاثة أحداث متزامنة. ووفقاً لنظرية التتابع في الرياضة السياسية، حصلت في اليوم نفسه، مع أنها بمنطق الحساب السياسي غير المعقد، يجب أن لا تحصل في التوقيت نفسه، إلا إذا كانت نظرية المؤامرة في التواقيت، التي يرجحها اليوم بعض المراقبين ودون أدلة أو قرائن علمية، هي الأساس في المسألة.
والمنطق في سيناريو المؤامرة هنا يفترض بأن التوقيت كان مقصوداً للغاية وبأن انشغال الرأي العام الأردني والضجيج الشعبوي بوثيقة تحديث المنظومة والتحولات المهمة على قانوني الأحزاب والانتخابات، كان يتوقع أن يزيد، فيما تعبر اتفاقية إعلان المبادئ الأولى في مجالي الطاقة والكهرباء مع إسرائيل. وهي مسألة «فصمت» الرأي العام، وتسببت في شرخ كبير، لا بل صدمة كبيرة وحقيقية، خصوصاً أن جميع الأردنيين على علم مسبق بما يتردد حول أزمة أو قطيعة في العلاقات السياسية والاتصالات الدبلوماسية حتى عن بعد مع الحكومة الإسرائيلية أو مع اليمين الإسرائيلي الحالي، مع أن العلاقات مع مؤسسات العمق الإسرائيلي بقيت طوال الوقت من العناوين الثابتة التي على أساسها يتم الانسجام مع معاييرومقتضيات واحتياجات المصـالح العلـيا للأردن والأردنـيين.
طبعاً قد تكون جزئية التزامن المقصود هي بحد ذاتها من تداعيات سيناريو مؤامرة لأنها تفتقر للأدلة والبراهين، لكن ما حصل بالتزامن والصدفة الزمنية أن الشعور العام للأردنيين بعد صدمة التعديلات الدستورية بالتزامن مع صدمة الاتفاقية التطبيعية الجديدة مع الإسرائيليين، نتج في الواقع عن تعقيدات «فراغ المعلومات» وندرة الشروحات؛ فالاتفاقية كانت الحكومة الأردنية قد نفتها للتو، لكنها أعلنت في دبي، والشروحات التي قدمها وزير المياه محمد النجار لاحقاً ضاعفت من الصدمة العامة، وبعد تنظيم فعاليات في الشارع تعترض على التطبيع الجديد في ملفات استراتيجية وأساسية وحيوية مثل الكهرباء والماء.
كانت شروحات قاصرة بالمعنى التكتيكي، فهي متأخرة عن الحدث، وكان ينبغي أن تسبق الحدث.
بمعنى أو بآخر، تأخرت الحكومة في معطيات الاشتباك. وفيما كان الإعلام الإسرائيلي يعزف كل الألحان، تسرب الحديث عن تلك الاتفاقية أو إعلان المبادئ، كما سماها الوزير النجار، وهو يؤكد بأنها ليست أكثر من إعلان مبادئ، وأن المشاورات ستجري، وأنها لا ترتب أي التزامات من أي نوع على الحكومة الأردنية.
الإخفاق في الشرح، والتأخر في تقديم سردية مقنعة وصلبة، أو تقديم رواية للحدث في وقت متأخر جداً، هي من الكلف المستجدة بسبب طبيعة الأداء الإعلامي للحكومة الأردنية.
لكن عندما تعلق الأمر بالتعديلات الدستورية، الشعور يزيد سياسياً بأنها سحبت البساط من تحت أقدام تحديث المنظومة السياسية في البلاد، فقد كانت التوقعات مرتفعة، لكن ما حصل أقرب إلى صدمة سياسية وتشريعية ودستورية، برأي الشيخ العضايلة أيضاً، خصوصاً أن الأنظار كانت متجهة نحو المنظومة وتحديثها. ومجدداً، أخفق الخطاب الحكومي والرسمي في شرح مقتضيات وخلفيات ومبررات التعديلات الدستورية الأخيرة. ورغم أن أغلبها تعديلات مهمة إلا أن الأضواء تسلطت على تعديلين من حزمة التعديلات:
الأول، ذلك المتصل بتأسيس المجلس الأمن الوطني الجديد.
والثاني، المتصل بتعيينات كبيرة، بصيغة تهدف إلى الاستعداد لمرحلة الحكومات البرلمانية، كما فهم من الرئيسين سمير الرفاعي وبشر الخصاونة تحت قبة البرلمان وفي كواليس الإجابة أو في تقديم إجابات على تساؤلات عالقة.
في كل حال، ظهرت الفجوة أيضاً ومجدداً. ووسط إخفاق الرواية الحكومية في الشرح والتفصيل، زاد معدل المخاوف خصوصاً بعد خطف الأضواء من وثيقة المنظومة، فيما لا توجد أدلة وقرائن على أن التعديلات الدستورية سُيّست؛ بمعنى أنها خارج نطاق المصالح السيادية، كما يقرأها مركز القرار.
ولا يوجد أيضاً قرائن وأدلة على أن تلك التعديلات الدستورية التي أثارت الضجيج طوال الأيام القليلة الماضية درست أصلا داخل فعاليات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، فاللجنة لم تناقش التعديلات المهمة المثيرة للجدل ولم تتطرق لها، وفق شهادات العديدين من أعضائها.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق